يتميز الوقف من بين كافة صور التبرعات التي تشكل منظومة الفعل الخيري في الإسلام بأنه يمثل الإحسان المستدام والمتجدد الذي بإمكانه أن يستمر في تغطية حاجات المرافق والوظائف الاجتماعية التي يرصد لها، بحكم أن التبرع الوقفي هو تبرع بالمنافع دون الأعيان.
لقد حرص الفقه الإسلامي على إبراز صبغة الاستمرارية في الوقف فأفتى بعض الفقهاء بتأبيد الفقه أصالة، وكان موقفهم هذا يتجه إلى ضمان استمرار عائد الوقف. وقد كان موضوع إمكانية رجوع الوقف إلى صاحبه أو إلى ورثته موضوعا حظي بنقاش طويل وعميق.
ولقد عرف عن أبي يوسف ومحمد بن الحسن وهما إمامان كبيران في المدرسة الحنفية خلاف في موضوع تأبيد الوقف فكان محمد بن الحسن يرى أن المسجد الموقوف يرجع إلى ملك صاحبه إذا انقطعت الصلاة فيه، بينما كان أبو يوسف يرى بقاءه حبسا حتى ولو انقطعت فيه الصلاة، وحكي أن محمد بن الحسن مر بمزبلة فقال: هذا مسجد أبي يوسف، وهو يعني أن مآل المسجد الذي انقطعت الصلاة فيه ولم يسترجعه صاحبه أن يصير مطرحا للقاذورات. ومر أبو يوسف بإسطبل فقال: هذا مسجد محمد بن الحسن، وهو يعني أن من استعاد مسجدا بعد أن انقطعت فيه الصلاة يمكنه أن يجعله إسطبلا1.
ومهما يكن فإن الأمر الذي يعنينا هو إبراز حرص الفقهاء على استمرار العين المحبسة في إمداد الأوجه التي وقفت عليه، وإذا كان هذا الحرص قويا فإنه ذلك لا يعدله إلا حرص آخر على أن تحترم إرادة الواقف، وأن يتمكن القيم على الوقف من تنميته وتطويره وحمايته من الإهمال والضياع، ولأجل هذا كان الفقه الوقفي حريصا على استجماع كل هذه المقاصد وعدم إلغاء بعضها أو الاقتصار على بعضها دون البعض.ومن أجل التوصل إلى إدراك كل الإمكانات والحلول التي يمكن اعتمادها في سبيل المحافظة على الوقف وتنميته في آن واحد فإنه يتعين بحث القضايا التالية:
1. &nbs...
إذا نحن فرغنا من تأكيد استحالة إقرار مادة تغير مقتضى نص قرآني قطعي الدلالة في مجتمع مسلم من أجل إحلال نظام جديد للإرث، فإنه يتعين الشروع في الحديث عن مضمون المطالبة، ولن يكون الحديث في هذه المرة مناقشة ومساءلات كما سبق، وإنما سيكون تعريفا وتلقينا لكثير من أحكام الإرث التي تظل منحصرة في مجال التخصص فيكَوِّن عنها الغرباء عن الثقافة الإسلامية تصورات شائهة ومغلوطة، كما سيتناول الحديث إبراز جهل المطالبين بالمساواة بذهنية المجتمع الذي يفترض فيه أن يستوعب نصوص القانون، ويقبل بها ويتعامل معها بكل تلقائية وترحيب. مع الإشارة إلى أن قضية تصريف المال العائلي تكتنفها عوامل ليست كلها اقتصادية، وإنما يتدخل فيها أيضا عنصر الرغبة في استمرار الملك العائلي، وهو ما يفسر حدوث خصومات يومية على امتلاك مساحات صغيرة من الأرض، قد لا تساوي قيمتها المادية جزءا يسيرا من مقدار الخسارة التي يتعرض لها صاحبها وهو يدافع عنها في استماتة وفي ربط وثيق بين الأرض والعرض.
إن الملاحظ أن المطالبة بتسوية المرأة بالرجل في الإرث بهذا الإطلاق هي في حد ذاتها تعلن عن جهل كبير بمقتضيات الإرث في الإسلام، لأن المطالبة توحي بصيغتها بأن المرأة في كل الأوضاع ترث نصف ما يرثه الرجل، وكأن هذا هو الحكم المبدئي والنهائي في القضية، وهو ما ييسر الاسترسال في الوهم إلى درجة ادعاء انحياز الإسلام للرجل في قضية التوريث.
والواقع العملي يفيد أن الحالات التي يفضل فيها الرجل المرأة في الإرث لا تتجاوز في مجموعها 16,33% من أحوال الإرث، وفي باقي الحالات قد تتساوى المرأة مع الرجل، وقد تفضله، وقد ترث هي ويحرم الرجل.ففي حالة إرث الأب والأم إذا كان للميت ولد ذكر فإن كلا منهما يرث السدس. ويرث الإخوة للأم بالتساوي ذكورهم كإناثهم، ويرث الإخوة الأشقاء بالتساوي بين ذكورهم وإناثهم في حالة واحدة هي المعروفة بالمشتركة، وتشت...
اعتماد مالك عمل أهل المدينة في الاستنباط
ولقد أفصح مالك عن اعتماده على عمل أهل المدينة وهو بصدد الترجيع بين الآثار أو تخصيصها.
لقد عبر مالك في رسالته إلى الليث بن سعد عن اعتداده بعمل أهل المدينة الذي كان يرى فيه أنه الصيغة النهائية لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي مات عنها وعمل بها أهل المدينة الذين يستحيل أن يجمعوا على تغيير واقع عملي ورثوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مع ما كانوا عليه من شدة حرص على التزام بالسنة.
يقول مالك في خطابه إلى الليث: إعلم رحمك الله أنه بلغني أنك تفتي الناس بأشياء مخالفة لما عليه جماعة الناس عندنا ببلدنا الذي نحن فيه وأنت في إمامتك وفضلك ومنزلتك من أهل بلدك وحاجة من قبلهم إليك واعتمادهم على ما جاء منك حقيق أن تخاف على نفسك وتتبع ما ترجو النجاة باتباعه فإن الله تعالى يقول: ( والسابقون الاولون من المهاجرين والانصار)التوبة100. وقال: (فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ) الزمر18. فإنما الناس تبع لأهل المدينة إليها كانت الهجرة وبها نزل القرآن وأحل الحلال وحرم الحرام إذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم يحضرون الوحي والتنزيل ويأمرهم فيطيعونه ويبين لهم فيتبعونه حتى توفاه الله واختار له ما عنده، فإذا كان الأمر بالمدينة ظاهرا معمولا به لم أر لأحد خلافه للذي في أيديهم من تلك الوراثة التي لا يجوز لأحد انتحالها ولا ادعاؤها1.
لقد طبق مالك أصله فكان شديد الاعتناء بعمل أهل المدينة وكان يعبر عنه بتعابير عديدة منها قوله: الأمر الذي أدركت عليه الناس، والأمر المجتمع عليه عندنا، أو ما أعرف شيئا مما أدركت عليه الناس، السنة عندنا، ليس على هذا العمل عندنا، السنة التي لا خلاف فيها عندنا، وليس على هذا العمل عندنا، إلى غير ذلك من التعابير التي تدل على فشو العمل بين أهل المدينة.
وقد اختلف المالكية في تفسير ع...
نعيش في بلاد غير المسلمين وسط مجموعة من النصارى أو المسيحيين، وأعلم أنه يجوز مؤاكلتهم ومصاحبتهم وتزوج نسائهم طالما أنهم ليسوا أهل حرب. سؤالي: هل هم اليوم أهل حرب في ظل الحرب الشعواء على الإسلام من الدول الغربية المسيحية. ثانيا: كيف يمكن التوفيق بين ما سبق وقول الله تعالى: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ) (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) (مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ...) (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ).
...