|
الفقه المالكي وارتباطه بالكتاب والسنة |
|
قد يكون غريبا بل ومزعجا أيضا أن يطرح التساؤل عن صلة الفقه المالكي
بالكتاب والسنة وعن انبنائه عليهما لدى جميع الذين خبروا هذا الفقه أصولا
واستدلالا ومسائل. |
|
لكن ما لا يمكن التغاضي عنه أو إهماله هو أن الواقع يشهد تكرر وتنامى دعوة
عارمة إلى نبذ الكثير من مقررات الفقه المالكي على الخصوص، على اعتبار أنه
لا يمثل إلا آراء الفقهاء واجتهاداتهم التي قد تجافي السنة وتنأى عنها في
كثير من الأحيان، وقد أصبح الخلاف حول بعض الممارسات في المساجد شأنا يوميا
كثيرا ما ينتهي بخصومات حادة، إني أرى أن القول بانفصال الفقه الإسلامي عن
الكتاب والسنة ليس إلا صيغة جديدة لدعوى أطلقها المستشرق المجرى أجناس
جولدزيهر
1921
والمستشرق الألماني شاخت
1969
الذي ألقى في الأكاديمية الإيطالية سنة
1956
بحثا زعم فيه أن المذاهب الفقهية قد تشكلت من أقوال كثيرة للفقهاء حاولت أن
تكمل القصور الواقع في الكتاب والسنة، بعد أن جدت حوادث لا يستوعبها هذان
المصدران1. |
|
ولا أرى أن هناك فرقا بين قول جولدزيهر وشاخت، وقول من يزعم أن أحكام
المذهب المالكي أو غيره إنما هي آراء شخصية لا صلة لها بالكتاب والسنة. |
|
لهذا وجب تحقيق القول في صلة المذهب المالكي بالكتاب والسنة لا دفاعا عن
المذهب المالكي وحده، وإنما دفاعا عن الفقه الإسلامي الذي يعتبر بناء
متكاملا، هو قمة ما يمكن أن يبذل من جهد من أجل وصل الواقع المعيش بالشريعة
عن طريق الاستنباط من النصوص، وعن طريق إعمال الأصول والأسس التي قام عليها
الفقه حفاظا على العلاقة العضوية القائمة بين تلك الأصول وبين الشريعة نصا
وروحا. |
|
ولعل الإلحاح على تأكيد انفصال الفقه عن الكتاب والسنة ليس إلا محاولة
لتفريغ الساحة الفكرية منه ليخلو المجال لمن أراد أن تكون الحياة غير
منضبطة بأحكام الشرع ليوجهها فكر وضعي في الاتجاهات التي يشاء لذا صح أن
نعتبر محاولة إقصاء الفقه وتغيبه تمهيدا للاستفراد بالحياة وللتمكين
للعلمانية المتربصة. |
|
ومن أجل تجلية متانة الصلة بين المذهب المالكي والكتاب والسنة، فإنه لا بد
من استعراض القضايا التالية: |
|
1.
شخصية مالك الحريصة على الالتزام بالكتاب والسنة. |
|
2.
اندراج فقه مالك ضمن اتجاه فقهي أشمل هو فقه أهل المدينة. |
|
3.
توفر المذهب المالكي على أصول استنباطية تبعية تساعد في إيجاد الأحكام
الشرعية. |
|
|
1.
شخصية مالك الحريصة على الالتزام بالكتاب والسنة
|
|
لا شك أن التركيز على الصفات والمزايا الخلقية لشخص من الأشخاص يفيد كثيرا
في معرفة إمكان التزامه أو تفريطه في المبادئ والقيم التي يجري الحديث عن
علاقة بها، وحينما يتعلق الأمر بشخص الإمام مالك فإنه يعرف عنه أنه كان
شديد المحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وافر الأدب معه، كثير الاعتناء
بحديثه، قوي التمسك بمضامينه. |
|
فأما عن توقيره لشخص الرسول صلى الله عليه وسلم، فإنه كان يرى حرمته ميتا
كحرمته حيا، فلذلك أخذ مالك على أبي جعفر المنصور وهو يناظره، رفع صوته في
المسجد النبوي، وقال له: يا أمير المومنين، لا ترفع صوتك في هذا المسجد،
فإن الله تعالى أدب أقواما فقال:
(
لاترفعوا أصواتكم فوق صوت النبيء)
الحجرات
2.
ومدح أقواما فقال:
(
إن الذين يغضون أصواتهم عند
رسول الله)الحجرات3.
وذم قوما فقال:
(
إن الذين ينادونك من وراء الحجرات
)الحجرات4 |
|
وإن حرمته ميتا كحرمته حيا فاستكان إليها أبو جعفر، وقال يا أبا عبد الله:
استقبل القبلة وادعوا أم أستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: ولم
تصرف وجهك عنه، وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه السلام إلى الله يوم
القيامة، بل استقبله واستشفع به، قال الله تعالى:
( ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم )النساء
64 2. |
|
وقد بلغ من أدب مالك مع شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان لا يركب
دابة في المدينة المنورة توقيرا لجسده الشريف3. |
|
وقد كان من عادته إذا صلى بمحراب مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا
ينفتل بعد الصلاة عن يمينه حتى لا يولي قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم
ظهره، وإنما كان ينقلب عن يساره، أما عن تأدبه مع حديث رسول الله صلى الله
عليه وسلم وتثبته في روايته، فله شواهد عديدة منها، أنه قال: أدركت سبعين
تابعيا في هذا المسجد ما أخذت العلم إلا عن الثقات المأمونين4. |
|
وكان يقول إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذونه، لقد أدركت سبعين ممن
يقول، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عند هذه الأساطين فما أخذت عنهم
شيئا وكان أحدهم لو أؤتمن على بيت مال لكان أمينا إلا أنهم لم يكونوا من
أهل هذا الشأن5.
ومن ذلك أنه مر على ابن أبي حازم وهو يحدث فجازه، فسئل عن ذلك فقال: لم أجد
موضعا، فكرهت أن آخذ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا قائم6. |
|
ويأتي في قمة توقيره لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم تشدده في قبول
المروي منها إلا ما ثبت لديه أنه صحيح بلا امتراء وقد ذكر عنه أنه أدرك
عائشة ابنة طلحة بن عبيد الله وهي تابعية ولو أنه أخذ عنها لكان بينه وبين
عائشة أم المومنين راو واحد، لكن ذلك لم يغره بالرواية عنها فلما سئل عن
ذلك قال رأيت فيها ضعفا7. |
|
ولقد كان مالك قد وضع الموطأ من عشرة آلاف حديث اصطفاها من مائة ألف حديث
كان قد جمعها وما زال يخبـر أحاديث الموطأ ويعرضها على الآثار حتى رجعت إلى
خمسمائة حديث وهو احتياط لم يتفق لأحد مثله8. |
|
ولقد كان مالك حريصا أشد ما يكون الحرص على التزام الوارد من الكتب والسنة،
ومن ذلك أنه قد سئل عن الرجل يدعو فيقول خطابا لله تعالى: ياسيدي، فقال:
يعجبني أن يدعو بدعاء الأنبياء ربنا ربنا9. |
|
وعلى الإجمال، فالأخبار الدالة على توقير مالك لحديث رسول الله صلى الله
عليه وسلم وعلى تمسكه بسنته كثيرة، تجعل تصور مخالفته للسنة أمرا مستبعدا
ذهنيا على نحو ما هو مستبعد واقعيا. |
|
إذا قيل إن الانحراف عن السنة إنما تم من قبل الفقهاء المالكية لا من مالك
نفسه فإن هذا أيضا لا يثبت لأن المالكية ليسوا رجلا واحدا أو رجالا معدودين
وإنما هم أفواج متلاحقة من العلماء الأثبات الذين يستحيل أن يتواطؤوا على
خلاف السنة تماما كما لا يمكن أن يتفق الأفراد المكونون للتواتر على الكذب
عقلا. |
|
|
|
2.
اندراج فقه مالك ضمن اتجاه فقهي أشمل هو فقه أهل المدينة. |
|
كثيرا ما يحاول البعض تصوير المذهب المالكي على أنه لا يمثل الكتاب والسنة
إلا تمثيلا جزئيا كما يحاول هذا البعض أن يوهم أن المذهب المالكي جملة
اجتهادات وفهوم انتهى إليها مالك فصارت مذهبا له وكثيرا ما يتمدد هذا
القول في أذهان الناس فيحدث موقفا نفسيا ضد مذهب مالك. |
|
إن الواقع هو أن مذهب مالك ليس إلا صيغة متكاملة وإخراجا نهائيا لمذهب
اعتمل في جو المدينة المنورة وقام عليه علماء المدينة ابتداء من طبقة
الصحابة مرورا بطبقة كبار التابعين ومنهم الفقهاء السبعة وانتهاء بعد ذلك
إلى شيوخ مالك من التابعين. |
|
لقد غلبت التسمية باسم المذهب المالكي على التسمية بمذهب أهل المدينة، وذلك
بسبب اهتمام مالك بتأصيل المسائل الفقهية تأصيلا يحدد طرائق استنباطها من
أدلتها الكلية، وبسبب توفر عدد هائل من طلاب العلم الذين أخذوا عن مالك
علمه وجمعوه في كتب حفظت المذهب. |
|
إن مذهب أهل المدينة لا يعود في نشأته إلى زمن مالك وإنما هو فقه موغل في
الزمن، بدأ يتشكل منذ زمن الصحابة الذين عاشوا بالمدينة المنورة، فقد عاش
أكثرهم في المدينة، ثم تفرق بعضهم في الآفاق، لكن عمر استبقى منهم أكثر
من مائة وخمسين من مشاهيرهم، ويكفي أن يكون من الصحابة الذين صاغوا
مذهب أهل المدينة أصحاب الفتوى، وهم أبو بكر وعمر وعلي وعائشة وابن مسعود
وزيد بن ثابت وأبو موسى الأشعري، وقد كان لبعض هؤلاء أقوال فقهية عديدة،
يمكن أن تجمع في سفر ضخم كما يقول ابن حزم10.
وقد حدث ما توقعه ابن حزم فقد جمع د. رويعي بن راجح الرحيلي فقه عمر في
الحدود، والجنايات ودية وأرش ما دون النفس فجاءت في ثلاثة أجزاء11.وبعد
انتهاء فترة الصحابة المدنيين، برز بالمدينة فقهاء التابعين الذين ورثوا
علم الصحابة وقد تجاوز عددهم بالمدينة المائة وسبعين تابعيا من أهل
العلم، وهذا العدد الوفير يعطي انطباعا عن تمكنهم من استجماع قدر كبير من
علم السنة النبوية. |
|
وقد تركز علم علماء التابعين المدنيين عند سبعة منهم: |
|
1.
سعيد بن المسيب رواية عمر وأحفظ الناس لقضائه12. |
|
2.
عروة بن الزبير بن العوام13. |
|
3.
القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق14.
|
|
4.
خارجة بن زيد بن ثابت الأنصاري15. |
|
5.
سليمان بن يسار16. |
|
6.
عبيد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي17. |
|
7.
أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث18. |
|
ويضاف إلى هؤلاء علماء آخرون بالمدينة لم يبلغوا مبلغ السبعة ولم يشتهروا
اشتهارهم أمثال أبان بن عثمان، وسالم ونافع وأبي سلمة بن عبد الرحمن بن
عوف وعلي بن الحسين وغيرهم19. |
|
وقد قدر لمالك أن يأخذ عن فئة من علماء التابعين يشكلون طبقة أخرى وقد
كانوا جامعين حافظين للعلم الموروث بالمدينة، ومن أبرز هؤلاء الذين كانوا
مشيخة مالك الذين أخذ عنهم العلم والتأدب بالسنة أخذا علميا وعمليا. |
|
1.
ابن شهاب الزهري20. |
|
2.
ربيعة بن عبد الرحمن المعروف بربيعة الرأي21. |
|
3.
نافع بن سرجس22. |
|
4.
زيد بن أسلم23. |
|
5.
يحيى بن سعيد الأنصاري24. |
|
ولقد كان كل واحد من هؤلاء عالما ثبتا جمع بين رواية الحديث وتطبيق السنة
تطبيقا فيه وعي بما هو سنة نهائية مات عليها النبي صلى الله عليه وسلم وله
تشبث صارم بما استقر أنه سنة ولقد قال عمر بن عبد العزيز عن أحد
هؤلاء الأعلام وهو ابن شهاب الزهري: لا أعلم أحدا أعلم بسنة ماضية منه. |
| |
|
3.
توفر المذهب المالكي على أصول استنباطية تبعية تساعد على إيجاد الأحكام
الشرعية. |
|
إن الذي يؤهل أقوال مجتهد من المجتهدين لأن تصير مذهبا فقهيا متميزا هو أن
تخضع عملية استنباط ذلك المجتهد لمنهج محدد يعتمد أصولا استنباطية ويستبعد
أخرى لا يراها تشريعية، ويتشكل ذلك المذهب حينما تتضافر جهود تلامذة واتباع
ذلك المجتهد على خدمته فيفرعون على تلك الأصول مسائل فقهية عديدة. |
|
ومذهب مالك هو في الحقيقة طريقته في الاستنباط اعتمادا على أصوله التي
ارتضاها وميزته هي وفرة الأصول التي قام عليها وتفرد بها عن مذاهب أخرى. |
|
يرى القرافي أن الأصول التي اشتركت فيها المذاهب هي تسعة عشر أصلا
بالاستقراء وهي: الكتاب والسنة وإجماع الأمة وإجماع أهل المدينة والقياس
وقول الصحابي والمصلحة المرسلة والاستصحاب والبراءة الأصلية والعوائد
والاستقراء وسد الذرائع والاستدلال والاستحسان والأخذ بالأخف والعصمة
وإجماع أهل الكوفة وإجماع العترة وإجماع الخلفاء الأربعة25. |
|
إن هذه الأصول التي هي إمكانات اجتهادية قد أخذ منها المذهب المالكي بأوفر
حظ إذ بلغت أصوله ستة عشر أو سبعة عشر أصلا حسبما ذكره التسولي في البهجة
نقلا عن الفقيه راشد رواية منه لقول شيخه أبي محمد صالح الذي نص على أن
الأدلة التي بنى عليها مالك مذهبه ستة عشر هي : نص الكتاب وظاهره وهو
العموم، ودليل الكتاب وهو مفهوم المخالفة، ومفهوم الكتاب، وهو باب آخر،
وتنبيه الكتاب وهو التنبيه على العلة، ومن السنة أيضا مثل هذه الخمسة فهذه
عشرة والحادي عشر الإجماع، الثاني عشر عمل أهل المدينة، والرابع عشر قول
الصحابي، الخامس عشر الاستحسان، والسادس عشر الحكم بسد الذرائع، واختلف
قوله في السابع عشر وهو مراعاة الخلاف، فمرة يراعيه ومرة لا يراعيه أبو
الحسن، ومن ذلك الاستصحاب26. |
|
إن هذه الأصول الكثيرة قد منحت المذهب المالكي إمكانات استنباطية عديدة
وأكسبته مرونة وقدرة فائقة على تأطير الحياة وعلى إيجاد الحلول الشرعية
لمعضلاتها. |
|
وأعتقد أن كل تساؤل عن صلة المذهب المالكي بالكتاب والسنة إنما يجب أن ينصب
أساسا على نوعية الأصول التي اعتمدها مالك وعلى طريقته في الموازنة
والترجيح بين الأدلة النصية، فإذا هو رجح نصا لموجب أصولي على غيره فإن من
الخطإ ومن التحامل البين أن يدعي مدع أن مالكا أو وغيره قد أهمل السنة لما
عمل بدليل وترك مقابله الذي يرى أنه مرجوح لا يثبت أمام الدليل القوي، إني
أرى أنه لا يمكن إيضاح منهج مالك في التعامل مع السنة إلا من خلال دراسة
الجوانب التالية: |
|
1.
الترجيح بين الأحاديث بعمل أهل المدينة. |
|
2.
تخصيص عموم القرآن بالحديث المسنود بعمل أهل المدينة. |
|
3.
موقف مالك من تخصيص القرآن بالحديث الآحادي. |
|
4.
عمل أهل المدينة وتعبيره عن السنة النبوية |
| |
|
1.
الترجيح بين الأحاديث بعمل أهل المدينة. |
|
إن من أمثلة صنيع مالك في ترجيح النصوص متى امتنع الجمع بينهما أنه كان إذا
تعارض لديه حديثان أحاديان وأحدهما يدعمه عمل أهل المدينة، فإنه يأخذ
بالحديث المؤيد بعمل أهل المدينة، ومن ذلك أنه قد روي عن أنس بن مالك أنه
قال: أمر بلال بأن يشفع الآذان ويوتر الإقامة. وورد في تعليم النبي صلى
الله عليه وسلم لأبي محذورة صفة الآذان أنه: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن
لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد
أن محمدا رسول الله، ثم يعود فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله مرتين، وأشهد
أن محمدا رسول الله مرتين، حي على الصلاة مرتين، حي على الفلاح مرتين، الله
أكبر الله اكبر لاإله إلا الله27. |
|
وقد وردت أحاديث فيها تربيع التكبير في الآذان، ومن ذلك حديث عبد الله بن
زيد الأنصاري الذي ورد في بعض رواياته أن التكبير أربع مرات
28.وترجيحا
لإحدى الروايات قال مالك بتثنية الآذان وبالترجيع، يقول القرطبي: مذهب مالك
رحمه الله تثنية الآذان كله غير أنه يرجع، وهو نقل أهل المدينة المتواتر عن
أذان بلال وهو آخر آذانه وإلى أن توفي عليه النبي صلى الله عليه وسلم29. |
|
ولقد كان مالك على علم بورود حديث تربيع التكبير وقد سأله عن صحته رجل من
أهل العراق فقال مالك: نعم، فقال له السائل فمالك لا نأخذ به، قال له مالك:
ما أدري ما آذان يوم وليلة، هذا مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤذن
فيه من زمانه إلى زماننا هذا خمس مرات في اليوم والليلة فلم يذكر عن أحد من
الصحابة ولا من التابعين إنكار هذا الآذان30. |
|
لقد عبر مالك عن مذهبه في الآذان لما سئل عن تثنية الآذان والإقامة ، فقال:
لم يبلغني في النداء والإقامة إلا ما أدركت عليه الناس، فأما الإقامة فإنها
لا تثنى، وذلك لم يزل عليه أهل العلم ببلدنا31. |
|
وقد ذكر ابن عبد البر، أن صفة الآذان، كما ذهب إليه مالك، وهي التكبيرة في
أوله مرتين، قد رويت من وجوه صحاح في آذان أبي محذورة وفي آذان عبد الله بن
زيد، ثم قال: والعمل عندهم بالمدينة وذلك في آل سعد القرظ32. |
|
وقال القاضي عبد الوهاب عن صيغة الآذان بالتثنية: إن ذلك مروي من حديث أبي
محذورة وبلال وسعد القرظ وبأنه إجماع أهل المدينة33. |
| |
|
2.
تخصيص عموم القرآن بالحديث الآحادي المسنود بعمل أهل المدينة. |
|
من القضايا الأصولية التي انبنت عليها آثار فقهية كبيرة قضية تناول اللفظ
العام لكل أفراده ودلالته عليها دلالة قطعية أو ظنية، فلقد رأى الأحناف أن
اللفظ العام يدل على جميع الأفراد المندرجة تحت مفهومه دلالة قطعية، ما دام
العموم لازما لذلك اللفظ، ولا سبيل إلى سلبه عنه إلا بدليل، يقول السرخسي
الحنفي مقررا هذه الحنفية: إن المذهب عندنا أن العام موجب للحكم فيما
يتناوله بمنزلة الخاص موجب للحكم فيما تناوله34. |
|
لكن المالكية ومعهم غيرهم من بعض علماء المذاهب رأوا أن دلالة اللفظ العام
على الفرد الواحد هي دلالة قطعية وهي على باقي الأفراد دلالة ظنية
احتمالية. |
|
وتأسيسا على هذين الرأيين فإن الأحناف منعوا تخصيص الكتاب بخبر الآحاد أو
بالقياس لأنهما ظنيان ، يقول السرخسي: إن أكثر مشايخنا رحمهم الله يقولون
أيضا: إن العام الذي لم يثبت خصوصه بدليل لا يجوز تخصيصه بخبر الواحد ولا
بالقياس35. |
|
لكن المالكية وكل من رأى أن دلالة العام على أفراده هي دلالة ظنية قد
أجازوا تخصيص القرآن والسنة بمخصصات عديدة ذكر القرافي أنها تبلغ خمسة عشر
مخصصا36. |
|
وقد نص الأصوليون المالكية على أنه يجوز تخصيص القرآن والسنة ببعضهما،
فيخصص الكتاب بالكتاب وبالسنة، وتخصص السنة بالكتاب وبالسنة37.وإذا
استشكل البعض كيف يقوى الآحادي من الأحاديث وهو ظني ، على أن يخصص القرآن
وهو قطعي، فإن الأصوليين يجيبونه بأن دلالة العموم في القرآن على جميع
أفراده هي دلالة ظنية، فلا تمتنع أن تخصص بالحديث الآحادي38.وقد
خصص المسلمون القرآن فعلا بأحاديث أحادية مثلما فعلوا لما خصصوا قول الله
تعالى: (
فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع
) النساء3.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم :
لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها39. |
|
وكما خصصوا قول الله تعالى: (يوصيكم
الله في أولادكم)
النساء11.يقول
النبي صلى الله عليه وسلم
( لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم )40. |
|
وخص أبو بكر وعمر الآية أيضا بقول النبي صلى الله عليه وسلم:
( إنا معاشر
الأنبياء لا نورث41. |
| |
|
3.
موقف مالك من تخصيص القرآن بالحديث الآحادي. |
|
إن الواقع من فعل مالك أنه لا يرى أن دلالة العام على جميع الأفراد
المنضوية تحت مفهومه قطعية، فمن ثم جوز تخصيص عموم القرآن بالحديث الأحادي
من حيث المبدإ. |
|
لكن مالكا ربما خصص القرآن بالحديث، وربما أبقى القرآن على عمومه ولم يأخذ
بما جاء به الحديث من تخصيص. |
|
ولقد أثار هذا العمل تساؤلات عن حقيقة موقف مالك من التخصيص بالأحادي، وقد
تبين بعد البحث أن مالكا كان يخصص بالحديث الأحادي إذا تقوى بأن سانده عمل
أهل المدينة، أو قياس، أو إجماع، وحينذاك يخصص به، وإذا كان عاريا عن كل
مساندة لم يخصص به، وبهذا يتبين أن موقف مالك موقف وسط بين موقف أبي حنيفة
الذي يتشدد في التخصيص بالأحادي وموقف عامة الذين يخصصون به إذا صح. |
|
ومن أمثلة التخصيص بالحديث الأحادي وعدم التخصيص به أن مالكا أبقى العموم
في قول الله تعالى: (
قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما
مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس
)الأنعام
145.ولم
يخصصه بما ورد من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن كل ذي مخلب من
الطير42.
لقد أبقى مالك على ما ورد في الآية من أن المحرم هو الميتة، والدم المسفوح،
ولحم الخنزير، ولم يقل بحرمة كل ذي مخلب من الطير لأنه وجد أهل العلم
بالمدينة لا يقولون بتحريمه فلم يتقو الحديث بما يجعله صالحا لتخصيص الآية. |
|
يقول الباجي في المنتقى أجاز مالك أكل الطير كله ما كان له مخلب وما لم يكن
له، قال مالك: لا بأس أن يأكل الصرد والهدهد ولا أعلم شيئا من الطير يكره
أكله واختلف قول مالك في الخطاف43.وقال
مالك: لم أسمع أحدا من أهل العلم قديما وحديثا بأرضنا نهى عن أكل كل ذي
مخلب من الطير
44.
ورأى المالكية أن سباع الطير كالعُقاب والشاهين والغراب محرمة دون باقي
ذوات المخلب45. |
|
ومن أمثلة تمسك مالك بالعموم في القرآن ما رآه من كراهة أكل لحوم الخيل،
وقد وجد مالك في الموضوع نصوصا تفيد حلية أكل لحوم الخيل، ومنها حديث جابر
الذي فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى يوم خيبر عن الحمر الأهلية
وأذن في لحوم الخيل46.وقول
أسماء نحرنا فرسا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكلناه47.
وقد ذكر عياض الحديث الذي خرجه النسائي وأبو داود عن خالد بن الوليد أنه
سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لا يحل أكل لحوم الخيل والبغال
والحمير، وقال النسائي يشبه إن كان صحيحا أن يكون منسوخا. |
|
وأمام هذه الآثار فقد تمسك مالك بعموم القرآن ولم يخصصه بالأحاديث التي
تفيد إباحة أكل الخيل، قال مالك في الموطإ: إن أحسن ما سمع في الخيل
والبغال والحمير أنها لا تؤكل لأن الله تبارك وتعالى قال: (
والخيل والبغال والحمير لتركبوها وقال تبارك وتعالى عن الأنعام لتركبوا
منها ومنها تاكلون
) النحل8.
وقال تعالىـ
(
ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الانعام فكلوا منها وأطعموا القانع
والمعتر)
الحج36
48. |
|
لقد عرض أبو العباس أحمد بن عمر القرطبي حجة مالك في القول بكراهة أكل
الخيل فذكر أن الله تعالى ذكر الأنعام التي هي البقر والإبل والغنم في صدر
الآية وعدد جميع ما ينتفع به منها ومن جملتها الأكل ثم ذكر الخيل والبغال
والحمير وذكر منافعها ولم يذكر منها الأكل فلو كان الأكل جائزا لكان مذكورا
فيها ، لأن مقصود الآية التذكير بالنعم وتعديد ما أنعم الله به علينا في
هذه الحيوانات من الفوائد ثم إن الأكل من أهم الفوائد فلو كان مشروعا فيها
لما أغفله مع القصد إلى تعديدها. |
|
ثم إن الله قد سوى بين الخيل والبغال في العطف والنسق والبغال والحمير لا
تؤكل، ثم اعتذر القائلون بالكراهة عن الحديث بأن ذلك كان في حال مجاعة وشدة
حاجة49. |
|
وعلى النقيض من منع مالك تخصيص العموم في قول الله تعالى : (
قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه)
الأنعام145.
بحديث النهي عن أكل كل ذي مخلب من الطير ومنعه تخصيص العموم في قول الله
تعالى: (
والخيل والبغال والحمير لتركبوها
)النحل8.
بما ورد من جواز أكل لحوم الخيل أنه على النقيض من ذلك، فإن مالكا لم ير
مانعا من تخصيص قول الله تعالى:
(
قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه
) الأنعام145.
بنهيه صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع حسبما وردت به
الأحاديث ، وقد كان مالك يرى تحريم أكل كل ذي ناب من السباع، وبهذا ترجم في
الموطإ فقال: تحريم أكل كل ذي ناب من السباع50.
وساق حديث أبي ثعلبة الخشني وحديث أبي هريرة ونصهما قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم أكل كل ذي ناب من السباع حرام، وعلق مالك على الحديثين قائلا وهو
الأمر عندنا، ومعنى هذا أن الواقع العملي بالمدينة يشهد بصحة الحديث
وباستمرار العمل به إلى آخر أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم. |
|
إن منهج مالك في هذه القضايا الفقهية وأخذه بعموم القرآن تارة مع وجود
الحديث المخصص، وتخصيصه بالحديث الأحادي تارة أخرى، هو جوهر علمية الاجتهاد
التي تقوم فيما تقوم عليه الترجيح بين الأدلة وفق تصور أصولي مسبق، وإذا
كان المجتهد قد رجح نصا على آخر وأهمل نصا وألغى آخر فليس في ذلك شيء مما
يمكن أن يقال عنه، إنه إهمال للسنة وإنما الأمر توثيق وعمل بترجيح الأقوى
لا غير. |
| |
|
4. عمل
أهل المدينة وتعبيره عن السنة. |
أ-
حجية العمل في استنباط الأحكام الشرعية.
|
|
لقد كان لأبي إسحاق الشاطبي رؤية عميقة أعطت بعدا جديدا لقضية عمل أهل
المدينة لما رأى فيه حكاية جماعية للعمل النبوي المستمر. |
|
لقد
قرر الشاطبي أن ما تنقل به السنة النبوية إما أن يكون سندا قوليا، وإما أن
يكون سندا من فعل الرسول صلى الله عليه وسلم ، وإذا كانت أقواله صلى الله
عليه وسلم التي نقلتها الأحاديث المروية عنه مبينة لسنته، فإنها لا تقوى
قوة النصوص التي تفيد عمله بشيء واستمراره عليه لأن ذلك الحديث المروي
يحتمل أن يكون قد نسخ أو قيل في معرض واقعة خاصة، أو اعتراه ما يجعله
ضعيفا بسبب اختلال بعض شروط الصحة في نقله أو يحتمل غير ذلك من الاحتمالات،
أما النقل نقلا جماعيا لاستمرار العمل النبوي فإنه لا يحتمل إلا احتمالا
واحدا هو عمل النبي صلى الله عليه وسلم واستمراره على ذلك إلى حين وفاته. |
|
لقد
تناول الشاطبي هذا الموضوع بدقة متناهية في الموافقات وذكر أن كل دليل شرعي
لا يخلو أن يكون معمولا به في السلف المتقدمين دائما أو أكثريا، أو لا يكون
معمولا به إلا قليلا، أو في وقت ما ، أو لا يثبت به عمل، فهذه ثلاثة أقسام51. |
|
فإذا
كان القول النبوي قد اقترن بعمله صلى الله عليه وسلم فلا إشكال، ومن ذلك
فعله عليه السلام في الطهارات والصلوات والطلاق والبيوع. |
|
أما
إذا كان القول النبوي لم يصطحب بالعمل منه عليه السلام، ومن الأئمة بعده
إلا قليلا فإنه يجب التثبت من سبب تركهم العمل به، فهذا الترك إما أن يكون
لمعنى شرعي أو لغير معنى شرعي، وباطل أن يكون لغير معنى شرعي ، فبقي أنهم
لم يتركوه إلا لملحظ شرعي. |
|
إن
الشاطبي يرى أنه إذا اختلف القول عما كثر عمل السلف به، فإن ما عمل به
السلف هو السنة في حقيقتها، فإذا كان القول يقتضي فعلا ما، وكان عمل الناس
على خلافه فإن مقتضاه أن يكون القول مرشدا إلى الإباحة، لكن استمرار الفعل
يرشد إلى أن خلاف القول هو المندوب في الأمر، ومن ذلك مثلا أن قوله صلى
الله عليه وسلم: (أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر)52. |
|
ومدلوله تأخير الصلاة إلى آخر وقتها، لكن عمله صلى الله عليه وسلم كان على
خلاف هذا ، إذ ورد في حديث عائشة أنه عليه السلام كان يصلي العصر والشمس في
حجرتها قبل أن تظهر، ولأجل ذلك عاتب الصحابة من أخر الصلاة عن أول وقتها،
ففي هذه الحالة كان عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمل الصحابة أرجح من
حديث الإسفار الذي فيه تأخير الصلاة إلى آخر وقتها. |
|
وعملا بهذا الترجيح بين قول لم يصاحبه عمل أو قل العمل به وعمل استمر عليه
الناس ، فقد كان مالك يرى أن تقديم العمل المستمر الذي وجد عليه التابعين
وكان يرى أنه لم يكن مستمرا فيهم إلا وهو مستمر في الصحابة ، وأنه لم يكن
مستمرا في الصحابة إلا وهو مستمر في عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم53. |
|
لقد
ساق الشاطبي نصا عن العتبية وفيه أن مالكا سئل عن الرجل يأتي إليه الأمر
يحبه فيسجد لله شكرا فقال لا يفعل، ليس مما مضى من أمر الناس قيل له: إن
أبا بكر فيما يذكرون سجد يوم اليمامة شكرا لله، أفسمعت ذلك؟ قال: سمعت ذلك،
وأرى أن كذبوا على أبي بكر وهذا من الضلال أ ن يسمع المرء الشيء فيقول هذا
شيء لم نسمع له خلافا، ثم قال: قد فتح الله على رسول الله صلى الله عليه
وسلم وعلى المسلمين بعده أفسمعت أن أحدا منهم سجد إذا جاءه مثل هذا مما كان
في الناس وجرى على أيديهم لا يسمع عنهم فيه شيء فعليك به، فإنه لو كان لذكر
لأنه من أمر الناس الذي قد كان فيهم فهل سمعت أن أحدا منهم سجد؟ فهذا إجماع
إذا جاءك الأمر لا تعرفه فدعه54. |
|
لقد
أيد الشاطبي قوة حجية العمل إذا خالفت الحديث بما روى من حديث الصيام عن
الميت، الذي فيه إجازة ذلك ، وما روى عن عائشة وابن عباس وقد رويا الحديث،
لكنهما خالفاه، إذ روي أن عائشة سئلت عن امرأة ماتت أعليها صوم قالت:
أطعموا عنها كما أن ابن عباس سئل فقال: لا يصوم أحد عن أحد، قال مالك: لم
أسمع أن أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا من التابعين
بالمدينة أمروا أحدا أن يصوم عن أحد ولا يصلي أحد عن أحد55. |
|
إن
قصد الشاطبي أن يؤصل قوة العمل المستمر إذا واجه حديثا أحاديا يظن به أنه
منسوخ أو خاص، وقد جر ى عمل الأمة قديما على أنهم كانوا يأخذون بالأحدث
فالأحدث من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان ما أخذوا به ناسخا لما
تركوه، وقد ذكر أن ابن شهاب قال: أعيا الفقهاء وأعجزهم أن يعرفوا حديث رسول
الله صلى الله عليه وسلم ناسخه ومنسوخه، وكان مالك لما قدم العمل وترك ما
سواه انضبط له الناسخ من المنسوخ56. |
|
وقد
بحث الأصوليون حالة تعارض القول والفعل وتصوروا لها صورا هي: |
|
1.
أن يكون القول عاما للرسول
صلى الله عليه وسلم وللأمة. |
|
2.
أن يكون خاصا به دون الأمة. |
|
3.
أن يكون متعلقا بالأمة دونه. |
|
وإذا
كان القول عاما شاملا للرسول صلى الله عليه وسلم وللأمة فعمل به النبي صلى
الله عليه وسلم على مقتضى العموم ثم خالفه بعد ذلك فليس هناك مجال لاحتمال
دعوى الخصوصية للأمة ما دام الرسول صلى الله عليه وسلم قد دخل معها لما عمل
بمقتضى العموم، ولا يبقى بعد ذلك إلا احتمال واحد هو نسخ القول السابق
بالفعل اللاحق57.
وللعمل النبوي حالات أخرى ضمن معارضة الفعل للقول تؤدى إلى القول بالخصوصية
أو النسخ أو تلجئ إلى التوقف إذا جهل المتقدم والمتأخر58.
حسبما هو مفصل في كتب الأصول59. |
|
|
ب-
عمل
أهل المدينة في سياقه التاريخي
|
|
من
الأوهام التي وقعت فيها غالبية الكاتبين والباحثين في تاريخ الفقه الإسلامي
اعتقادهم أن اعتماد عمل أهل المدينة هو خصيصة استنباطية تفرد به المذهب
المالكي حتى أوشكت أن تصير عنوانا عليه، فمن ثم راح بعض هؤلاء يفوقون سهام
النقد للمذهب المالكي، مستبعدين من أذهانهم أن يكون هذا النقد موجها أصالة
إلى سلف الأمة ممن اعتمد عمل أهل المدينة كما يتوجه إلى مذهب مالك بالتبع
والامتداد. |
|
لقد
كان الذين قالوا بحجية أهل المدينة كثرة كاثرة رأت فيه أنه استمرار عملي
للسنة النبوية، وحسبي هنا أن أشير إلى نصوص تعبر عن تقديم بعض علماء الأمة
لعمل أهل المدينة. |
|
يروى
عياض أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال على المنبر أحرج بالله عز وجل على
رجل روى حديثا العمل على خلافه60.
ومعلوم أن عمر يقصد بموضع العمل المدينة التي كان يعيش بها، وقد جاء في بعض
الروايات التنصيص على العمل بالمدينة61. |
|
قال
زيد بن ثابت إذا رأيت أهل المدينة على شيء فاعلم أنه السنة62. |
|
كان
ابن مسعود يسأل بالعراق عن شيء فيقول فيه ثم يقدم المدينة فيسأل فيجد الأمر
على غير ما قال، فإذا رجع لم يحط رحاله ولم يدخل بيته حتى يرجع إلى ذلك
الرجل فيخبره63. |
|
قال
ابن أبي حازم: كان أبو الدرداء يسأل فيجيب، فيقال له: إنه بلغنا كذا وكذا،
بخلاف ما قال، فيقول: وأنا قد سمعته، ولكنه أدركت العمل على غير ذلك64. |
|
قال
أبو الزناد: كان عمر بن عبد العزيز يجمع الفقهاء ويسألهم عن السنن والأقضية
التي يعمل بها فيثبتها، وما كان لا يعمل بها الناس ألقاه وإن كان مخرجه ثقة65. |
|
قال
مالك: ما استوحش سعيد بن المسيب ولا غيره من أهل المدينة لقول قائل، ولولا
أن عمر ابن عبد العزيز أخذ العلم بالمدينة لشككه كثير من الناس66. |
|
وقال
ربيعة الرأي وهو شيخ مالك: ألف عن ألف أحب إلي من واحد عن واحد67. |
|
وقال
مالك: انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعض مغازيه في كذا وكذا ألفا
من الصحابة مات منهم بالمدينة نحو عشرة آلاف وتفرق باقيهم في البلدان،
فأيهما أحق وأحرى أن يتبعوا ويؤخذ بقولهم ويعمل بعملهم من مات عندهم النبي
صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين ذكرتهم أو من مات عندهم واحد واثنان من
أصحابه68. |
|
وقال الشافعي: إذا وجدت معتمدا من أهل المدينة فلا يكن في قلبك منه شيء. |
|
وقال
في أصول أهل المدينة فليس فيها حيلة من صحتها69.
|
|
|
ج-
قيمة
فقه أهل المدينة في نظر ابن تيمية.
|
|
لقد كان أحمد بن تيمية من ابرز من عرف لفقه المدينة مكانته وتمثيله للسنة
في صورتها النهائية التي مات عنها رسول اله صلى الله عليه وسلم وقد ساق ابن
تيمية في كتابه صحة أصول مذهب أهل المدينة كثيرا من الأدلة على تميز فقه
المدينة واختصاصها بأولويات في صحة النقل. |
|
يقول
ابن تيمية: كان أهل المدينة فيما يعملون إما أن يكون سنة عن رسول الله صلى
الله عليه وسلم وإما أن يرجعوا إلى قضايا عمر بن الخطاب رضي الله عنه،
ويقال إن مالكا أخذ الموطأ عن ربيعة وربيعة عن سعيد بن المسيب وسعيد بن
المسيب عن عمر بن الخطاب وعمر محدث، في الترمذي عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم لو لم أبعث فيكم لبعث فيكم عمر وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم
أنه قال في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي أحد فعمر70 |
|
ويقول: إن سائر أمصار المسلمين غير الكوفة كانوا منقادين لعلم أهل المدينة
لايعدون أنفسهم أكفاءهم في العلم كأهل الشام ومصر مثل الأوزاعي ومن قبله
وبعده من الشاميين ومثل الليث بن سعد ومن قبل ومن بعد من المصريين وإن
تعظيمهم لعمل أهل المدينة واتباعهم لمذاهبهم القديمة ظاهر بين وكذلك علماء
أهل البصرة كأيوب وحماد بن زيد وعبد الرحمن بن مهدي71. |
|
ويقول ابن تيمية: |
|
ومما
يوضح الأمر في ذلك أن العلم أما روايته وأما رأي وأهل المدينة أصح أهل
المدن رواية ورأيا، وأما حديثهم فأصح الأحاديث، وقد اتفق أهل العلم
بالحديث، أن أصح الأحاديث أحاديث أهل المدينة، ثم أحاديث أهل البصرة، أما
أحاديث أهل الشام فهي دون ذلك72 |
|
ويقول عن فضل مالك: لا ريب عند أحد أن مالكا رضي الله عنه أقوم الناس
بمذهب أهل المدينة رواية ورأيا فإنه لم يكن في عصره ولا بعده أقوم بذلك منه
كان له من المكانة عند أهل الإسلام73 |
|
وقال
عن حديث مالك: |
|
هذه
كتب الصحيح التي أجل ما فيها البخاري أول ما يستفتح الباب بحديث مالك وإن
كان في الباب شيء من حديث مالك لا يقدم على حديثه غيره74 |
|
هذه
نصوص تجلى رأي ابن تيمية في علم أهل المدينة عموما وفي علم مالك خصوصا وهي
تنطبق أصالة على ما أثر عن مالك من الفقه الذي قال به ولم يلتبس بأقوال
غيره من المالكية الذين جاؤوا بعده وفرعوا على أصوله في صيغها القولية
لإبداء ما يتميز به المذهب من التزام بالسنة في صيغها القولية التي تناقلها
الناس أو في صيغها العملية التي طبقها مجتمع المدينة. |
|
|
1.
مفهوم الفقه الإسلامي نظام الدين عبد الحميد ص: 93 مؤسسة
الرسالة 1984. |
|
2.
الشفا للقاضي عياض 2/ 92 |
|
3.
ترتيب المدارك 1/ 126 ، انتصار الفقير السالك 153. |
|
4.
حلية الأولياء 6/323. |
|
5.
ترتيب المدارك
1/ 136. |
|
6.
انتصار الفقير السالك 173. |
|
7.
كشف المغطى لابن عاشور
15 |
|
8.
كشف المغطى من المعاني والألفاظ الواقعة في الموطأ محمد
الطاهر بن عاشور 15. |
|
9.
حلية الأولياء 6/ 320. |
|
10.
الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم 5/ 665. |
|
11.
فقه عمر بن الخطاب موازنا بفقه أشهر المجتهدين الكتاب
الحادي والثلاثون من مطبوعات جامعة أم القرى مكة المكرمة |
|
|
|
13.
تهذيب الكمال للمزي 1.
سير أعلام
النبلاء للذهبي 4/421 طبقات الفقهاء للشيرازي 40. |
|
|
|
|
|
16.
تهذيب الكمال للمزي 12/100 سير أعلام النبلاء للذهبي 4/444
طبقات الفقهاء للشيرازي 43. |
|
17.
تهذيب الكمال للمزي 19/73 سير أعلام النبلاء للذهبي 4/475
طبقات الفقهاء للشيرازي 42. |
|
18.
تهذيب الكمال للمزي 33/112 سير أعلام النبلاء للذهبي 4/416
طبقات الفقهاء للشيرازي 42 |
|
|
|
|
|
21.
تهذيب الكمال للمزي 11/66 سير أعلام النبلاء للذهبي 5/53
طبقات الفقهاء للشيرازي 50. شجرة النور 46 |
|
22.
سير أعلام النبلاء 5/95 . شجرة النور الزكية 48 |
|
23.
سير أعلام البلاء 5/316 طبقات الفقهاء 48 شجرة النور 46 |
|
24.
سير أعلام النبلاء 5/ 468. طبقات الفقهاء 51 |
|
25.
شرح تنقيح الفصول في اختصار المحصول في الأصول
شهاب الدين القرافي ص: 445. |
|
26.
البهجة شرح التحفة 2/ 133. ترتيب المدارك 1/ 87 الفكر
السامي 1/ 384..
مالك لمحمد أبو زهرة 215. تطور المذهب المالكي في الغرب الإسلامي 136. |
|
27.
صحيح مسلم كتاب الصلاة باب الأمر بشفع الآذان إكمال المعلم
2/245 المفهم 2/ 8 |
|
28.
صحيح مسلم كتاب الصلاة باب الأمر بشفع الآذان إكمال المعلم
2/245 المفهم 2/ 8. |
|
29.
المفهم
لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم أحمد بن عمر القرطبي
2/8 |
|
30.
ترتيب المدارك 1/50. انتصار الفقير السالك.274. |
|
31.
الموطأ ، ما جاء في النداء للصلاة |
|
32.
الاستذكار 4/ 12 |
|
33.
الإشراف للقاضي عبد الوهاب مع الإتحاف بتخريج أحاديث
الإشراف 1/ 335. |
|
34.
أصول السرخسي 1/132. |
|
35.
نثر الورود على مراقي السعود محمد
الأمين
الشنقييطي 1/249 وفتح الودود على مراقي السعود محمد الولاتي 78 |
|
36.
شرح تنقيح
الفصول للقرافي. 202. |
|
37.
نشر البنود على مراقي السعود للشنقيطي 1/210 نشر الورود على
مراقي السعود محمد الأمين الشنقيطي 1/249 وفتح الودود على مراقي السعود
محمد الولاتي 78. |
|
38.
نشر البنود على مراقي السعود 1/ 256 |
|
39. نشر
البنود على مراقي السعود 1/ 257. شرح تنقيح
الفصول للقرافي. 209. حديث أخرجه الإمام البخاري في كتاب النكاح " باب: لا
تنكح المرأة على عمتها |
|
40.
نثر الورود على مراقي السعود 1/ 305.
حديث أخرجه الإمام البخاري في كتاب الفرائض. باب: لا يرث المسلم الكافر. |
|
41.
نثر الورود على مراقي السعود 1/305 حديث أخرجه الإمام
البخاري باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: لا نورث ما تركنا صدقة.. |
|
42.
مسلم كتاب الصيد باب تحريم أكل كل ذي
ناب من السباع وكل ذي
مخلب من الطير . الترمذي كتاب الصيد . سنن أبي داود كتاب
الأطعمة . النسائي كتاب الصيد . سنن أبي داود كتاب الأضاحي ز مسند أحمد بن
حنبل 2/147. |
|
43.
المنتقى شرح الموطأ لأبي الوليد الباجي 3/ 132 أوجز المسالك
محمد زكرياء الكاندهلوي 9/ 180. |
|
44.
الاستذكار لمذاهب علماء الأمصار لابن عبد البر 13/ 322 |
|
45.
المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم لأحمد بن عمر القرطبي
5/217 |
|
46.
صحيح مسلم كتاب الصيد باب في أكل لحوم الخيل. |
|
47.
صحيح مسلم كتاب الصيد باب في أكل لحوم الخيل. |
|
48.
الموطإ كتاب الصيد ما يكره من أكل الدواب . الاستذكار لابن
عبد البر 15/331 المنتقى للباجي 3/ 132 والقبس لابن العربي 2/ 625. |
|
49.
المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم لأحمد بن عمر القرطبي
5/228. |
|
50.
الموطإ كتاب الصيد تحريم أكل كل ذي ناب من السباع 404. |
|
51.
الموافقات للشاطبي 3/56 |
|
|
|
53.
الموافقات 3/ 66. |
|
54.
الموافقات 3/ 67. |
|
55.
الموافقات 3/ 69. |
|
56.
الموافقات 3/ 70 |
|
57.
حاشية البناني على جمع الجوامع 2 / 100 |
|
58.
أفعال الرسول
صلى الله عليه وسلم ودلالتها على الأحكام الشرعية د. محمد
سليمان الأشقر 2/ 193. |
|
59.
شرح جلال الدين المحلى على جمع الجوامع مع حاشية البناني 2/
99. |
|
60.
ترتيب المدارك 1/ 45 |
|
61.
انتصار الفقير السالك ص: 200 |
|
62.
ترتيب المدارك 1/ 38. انتصار الفقير السلك
ص: 206. |
|
63.
ترتيب المدارك 1/ 39 البيان والتحصيل لابن رشد 17/ 134. |
|
64.
ترتيب المدراك 1/46. انتصار الفقير السالك 206. |
|
65.
ترتيب المدارك 1/ 46 |
|
66.
ترتيب المدارك 1/ 39.
انتصار الفقير السالك 201. |
|
67.
ترتيب المدارك 1/46. |
|
68.
ترتيب المدارك 1/ 45. انتصار الفقير السالك 205. |
|
69.
ترتيب المدارك 1/
40. |
|
70.
صحة أصول مذهب أهل المدينة ص: 46. |
|
71.
صحة أصول مذهب أهل المدينة 48. |
|
72.
صحة أصول مذهب أهل المدينة 49. |
|
73.
صحة أصول مذهب أهل المدينة 53. |
|
74.
صحة أصول مذهب أهل المدينة 53. |