الصفحة الرئيسية  المكتبة المقروءة

  المكتبة المقروءة 


أرسل لصديق   نسخة للطباعة

شخصية الفقه المالكي - الجزء 1

فهم عميق للكتاب والسنة وحماية لعقيدة الأمة وقدرة فائقة على إعمال النصوص والأصول في الوقائع

 

تشهد الحياة الدينية المغربية في فترتها الراهنة تحولات عميقة تستدعي تمثلا جيدا وتحليلا موضوعيا لحقيقة ما يجري بغية استثمار الإيجابيات ودرء واستبعاد السلبيات التي يمكن أن تصل بالمجتمع إلى تركيز ثقافة الخلاف والصراع الناشئ على اختلاف المنطلقات الاجتهادية والفقهية، مع ما يصحب هذا النوع من الخلاف من تعصب يعوق توحد الأمة وائتلافها على مشاريع الخير وتعاونها على مواجهة عدوها المتمثل في المخططات المتطلعة إلى اجتثاث ومحق كل فضيلة متبقية في الأمة.

 

إن حياتنا الدينية بالمغرب تعيش حالة رجوع جماعي إلى قيم الإسلام مدفوعة برغبة عارمة في إحياء الإسلام في نفوس الناس، وفي واقعهم المعيش، ومن تجليات تلك العودة أن الحياة أصبحت تصطبغ بالكثير من مظاهر الإسلام على مستوى المؤسسات التعليمية في الثانوية وفي الجامعة، وعلى مستوى تعاملات الناس وممارستهم للشعائر الإسلامية، وإقبالهم على المساجد، وعلى أداء مناسك الحج والعمرة، واهتمامهم بالأعياد الإسلامية، ومتابعتهم للبرامج الإسلامية في الفضائيات العربية، وتناسل الجمعيات والمنظمات الإسلامية، ورواج الكتب والصحف الإسلامية، وغير ذلك من المظاهر التي تنبئ عن تجذر الإسلام في وجدان هذه الأمة المغربية.

 

إلا أن مكمن الخلل في هذه الحياة الدينية، أنها لم تكن قد استعدت استعدادا حقيقيا لتأطير هذه الرجعة تأطيرا علميا شرعيا، يعصم الأمة من أسباب الزلل أو الارتماء خارج حافتي مجال الاعتدال في الرأي والقبول بالخلاف الإيجابي، وقد كان غياب هذا التأطير نتيجة حتمية من نتائج وأد المؤسسات التعليمية الإسلامية، أو تعويقها عن تكوين علماء متمكنين قادرين على إبراز أحكام الإسلام وتنزيلها على الوقائع وتقديمها للناس في صورة لا تختلف عن الصورة الإقناعية والمنطقية التي تقدم بها كل المعارف في جميع المؤسسات والمنتديات.

 

إن حياتنا الدينية غير المؤطرة علميا تشكو حاليا من فوضى في التوجيه الفقهي هي ناشئة عن شغور كبير في موقع التوجيه والإفتاء، وهو ما أغرى كثيرا من غير المؤهلين بسد الفراغ أول الأمر، ثم جرأهم ذلك على إصدار فتاوى ليست في معظمها الأرجع صدى لفتاوى أخرى قد تستند إلى دليل أحادي معزول غير مقابل بغيره ولا خاضع لخطوات ومراحل الترجيح بين الأدلة، وبهذا أصبحت الكثير من المساجد ساحات لهدم المؤصل القائم على متين العلم، واستنبات كثير من الأحكام التي لا تثبت طويلا أمام البحث والتمحيص والمعارضة، وقد كان بالإمكان اعتبار هذا كله لونا من البحث عن الحق، لولا أن الأمر تجاوز هذا إلى الإخلال بالوحدة الفكرية والاجتماعية، لأمة ظلت عبر تاريخها الطويل منسجمة متآزرة.

 

حينما نريد تحديد أسباب الارتباك الفقهي في حياتنا الدينية،فإن بالإمكان أن نرده إلى سيادة مفهومين هما:

أولا: اعتقاد خطإ التمذهب بمذهب فقهي .

ثانيا: اعتقاد وجود تباين بين مقررات وأحكام الفقه المالكي والسنة النبوية، التي لها بلا امتراء حق الطاعة دون غيرها من أقوال البشر.

وأعتقد أن هذين المفهومين يحتاجان إلى أن يكونا موضوع حوارات علمية جادة ومكثفة ولا سبيل إلى تجاوز الأزمة الحالية إلا بالإجابة عن هذين الطرحين، خصوصا وأن الكثير من الجهود تبذل في دعمهما وتركيزهما، مقابل غياب شبه مطلق، لأي  دعم للاتجاه المقابل وهو ما أخل بالتوازن العلمي الذي به تتبين الحقائق.

وبما أن هذه المساهمة لا تتناول موضوع الأخذ بمذهب من المذاهب  الفقهية، فإني أترك الحديث عن ذلك، وأكتفي بالإحالة على ما هو مثبت ومستفيض في كتب أصول الفقه من أحكام الاجتهاد والتقليد، وأحصر الكلام هنا في أهمية وجود المذهب المالكي في الحياة المغربية باعتباره مذهبا سنيا يقوم على إدراك سليم لمضامين النصوص الشرعية، وعلى استثمار مؤصل لأحكامها، وعلى اعتباره مذهبا حقق وحدة الأمة وفرغها للنهوض بواجباتها الحضارية.

 

المذهب المالكي في عمق الحياة المغربية.

لقد اختار المغاربة المذهب المالكي عن علم ودراية بمزاياه، بعد أن أعياهم التفرق بين كثير من المذاهب الفقهية والعقدية، فقد عرفوا المذهب الحنفي وتمذهبوا به وأخذت إمارة بني مدرار بسجلماسة بالمذهب الخارجي وعرفت المذهب العقدي  الاعتزالي جهات عديدة من المغرب، وقد عانى المغرب انقسامات وحروبا لمدة ثلاثة قرون، بسب هيمنة المذهب الخارجي 1. الذي كان من شأنه التوجه إلى الغير، بدعوى الكفر طردا لأصلهم في تكفير فاعل الكبيرة.

وقد ظل المغرب يرقب عن كثب ما حققه وجود المذهب المالكي في إفريقيا، بعد أن أدخله إليها رجال، منها ممن صحبوا مالكا، وهم علي بن زياد2. وعبد الرحمن بن أشرس3 . والبهلول بن راشد4 . وعبد الله بن غانم القيرواني 5 . وكما عرف المغاربة ما حققه المذهب المالكي من حضور قوي بالأندلس، بعد أن عاد إليها زياد بن عبد الرحمن المعروف بشبطون6. حاملا فقه مالك وعاد إليها الغازي بن قيس الذي شهد مالكا وهو يؤلف الموطأ7 .وسعيد بن أبي هند8.

وقد نشر مذهب مالك بالمغرب رجال منهم:أبو هارون عمران بن عبد الله العمري9.وأحمد بن حذافة العمري10 .وبشار بن بركانة11.

 

وقد كان دراس بن إسماعيل (ت. 12357 ) أبرز من أدخل مذهب مالك إلى المغرب (357 ) 

وقد عده بعض المؤرخين مدخل المذهب إلى المغرب، لشهرته ومكانته العلمية، وإلا فإن المذهب قد عرف بالمغرب لما وفد نحو 500 من الفرسان من أهل الأندلس على إدريس الثاني، ومنهم علماء مالكيون، أمثال عامر بن محمد القيسي، الذي استقضاه إدريس الثاني، وكان قد سمع من مالك ومنهم أبو الحسن عبد الله بن مالك الأنصاري، الذي تولى عقد شراء الأرض التي بنيت عليها مدينة فاس13 .

 

لقد اختار المغاربة المذهب المالكي عن وعي وتبصر وإدراك حقيقي لمزاياه، وهم الذين عرفوا غيره من المذاهب كالحنفية، ومذاهب أخرى عقدية، كالخارجية والشيعية، وقد عانى المغرب من الاتجاه الخارجي، النزاع بطبعه إلى التشدد القائم على تكفيرهم لمقترف الكبيرة الشيء الكثير.

 

ولهذا كله، فإنه يستبعد أن يكون اتصال المغاربة اتصالا عفويا عارضا على نحو ما يوحي به قول من رأى أن المغاربة أخذوا بالمذهب المالكي لوجود مالك في طريق الحاج، أو لكون المذهب متجاوبا مع الطبيعة الفطرية أو البدائية، التي كان عليها المغاربة، ويدفع هذا كله أن المذهب المالكي ساد في أوساط لا تقل في مداركها وفي مستواها الحضاري، عما عرف في بغداد أو دمشق أو غيرها من مدائن الإسلام، إذ عاش المذهب في فاس وفي قرطبة وأشبيلية وغيرهما من الجهات التي لا زالت إلى الآن تعطي شواهد ناصعة على درجة الوعي الحضاري، الذي كان مناخا للمذهب المالكي.

 

أما عن دعوى وقوع المذهب على طريق الحاج، فإن ذلك يفسر واقع وظرف التعرف عليه لا ضرورة الأخذ به، وإلا فإن الذي جلبوا المذهب لم يكونوا مجرد حجاج أو طوافين تستوقفهم كل حلقة أو مذهب، وإنما كانوا رجال علم طلبوه في بلادهم، وعرفوا مسائله ثم خرجوا إلى المدينة قاصدين الاتصال بمالك على الخصوص.

 

إن الذي اجتذب المغاربة إلى المذهب المالكي ليست دواعي عارضة، أو اعتبارات ظرفية،وإنما هي أسباب ودواع ترجع إلى خصائص المذهب المالكي، وما يحققه من أخذ بالكتاب والسنة من جهة، ومن فهم عميق للآثار، ومن رعاية للمصالح التي هي مبنى التشريع الإسلامي كله، ومن احتياط من الانزلاق في الضلال والانحراف، وذلك بسد كل ذريعة مؤدية إليه، ومن رغبة في جمع الشمل وبعد عن تعميق الخلاف، وذلك عن طريق رعاية الخلاف المؤسس على سند معتبر.

 

إن المقاصد التي حققها الآخذ بالمذهب المالكي، هي التي طبعت المجتمع المغربي بمزايا عديدة منها: الوحدة العقدية والحيوية الفقهية، التي تؤطر كل المستجدات، والقدرة الفائقة على إيجاد أجوبة وحلول لكل النوازل، وذلك بإعمال الأصول التي قام عليها المذهب، حتى أصبحت من مآثره ومفاخره، والتي أصبح بها فقها مرنا قادرا على ضبط حركة المجتمع، مهما تسارعت وتيرة تطوره.

 

ويمكن إعطاء فكرة عن طبيعة هذه الدواعي التي ليست دواعي تاريخية انقطعت، وإنما هي دواع لا زالت قائمة، وذلك من خلال إبراز المعطيات والدواعي التالية:

1. انتظام المذهب المالكي لمقررات العقيدة السنية وقدرته على إيقاف الشذوذ العقدي والفكري.

2. واقعية الفقه المالكي.

3. رحابة الفقه المالكي وقدرته على الإجابة عن النوازل والمستجدات.

 

الدواعي الموضوعية لاختيار المغاربة للمذهب المالكي.

 

1. انتظام المذهب المالكي لمقررات العقيدة السنية وقدرته على إيقاف  الشذوذ العقدي  والفكري.

من الأخطاء العلمية التي يقع فيها كثير من دارسي المذهب المالكي تشطيرهم له وحصرهم إياه في المباحث الشرعية العملية التي تنتظم العبادات والمعاملات والأقضية والجنايات، وهي المباحث التي أصبحت تشكل مضمون الفقه على اعتبار أن الفقه هو الأحكام الشرعية العملية أو الفرعية14.

ومعلوم أن اعتبار الأحكام الفرعية أو العملية يقصي الأحكام العقدية أو الأحكام الأصلية التي يتناولها علم خاص، يسمى علم العقيدة أو علم التوحيد، وهي الأحكام التي جمع بعضها أبو حنيفة تحت تسمية الفقه الأكبر15. وبصرف النظر عن محاولة بعض المعتزلة نفي تصنيف أبي حنيفة لكتاب الفقه الأكبر فإن عامة علماء الحنفية قد حفظوا مواقفه العقدية 16.

 

لقد كان أعلام الفقه المالكي على وعي تام باشتمال المذهب على مباحث العقيدة،كما تحدث فيها مالك رحمه الله، وقد تكون رسالة ابن أبي زيد القيرواني وما صدرت به من قضايا عقدية من أبرز الشواهد على تناول المذهب العقيدة، وتظل المصادر الفقهية المطولة المالكية أكثر استقطابا وتصويرا لقضايا العقيدة المالكية، ويمكن أن نأخذ مثلا على هذا، كتاب الذخيرة للقرافي، فقد أفرد العقيدة بكتاب خاص هو كتاب الجامع، الذي قال فيه: هذا الكتاب يختص بمذهب مالك، لا يوجد في تصانيف غيره من المذاهب17. وقد قسم القرافي كتاب الجامع إلى فروع تلتها تنبيهات.

لقد كانت عقيدة مالك، عقيدة من أدركهم من السلف الصالح لا يحيد عنها، ومن ذلك أنه كان شديد النأي بنفسه عن البدع العقدية قبل العملية، وهو الذي طالما ردد قول الشاعر:

وخير أمور الناس ما كان سنة

 

وشر الأمور المحدثات البدائع

لقد كان مالك يبغض الابتداع والمبتدعين ، وقد سئل عن الصلاة خلف أهل البدع القدرية وغيرهم، فقال: لا أرى أن يصلي خلفهم، قيل فالجمعة؟ قال: إن الجمعة فريضة، وقد يذكر عن الرجل الشيء وليس هو عليه، فقيل:: أرأيت إن استيقنت أو بلغني من أثق به أليس لا أصلي الجمعة خلفه، قال: إن استيقنت18.

وكان إذا سئل عن أهل الأهواء، قال عنهم: بئس القوم لا تسلم عليهم واعتزالهم أحب إلي19.

ولقد ورث المالكية عن إمامهم كراهية أهل البدع العقدية، فوقفوا بذلك حائلا دون تفشي كثير من الضلالات، التي عانت منها جهات كثيرة من البلاد الإسلامية، يروي القاضي عياض، أن ثلاثة من أعلام المذهب بالقيروان ممن اتصلوا بمالك، وهم عبد الله بن غانم، وعبد الله بن فروخ الفارسي، والبهلول بن راشد، صلوا على رجل من المسلمين، ثم قدم لهم ابن صخر المعتزلي فامتنعوا من الصلاة عليه20.

إن من أبرز معالم معتقد مالك كما صورها القرافي وغيره أنه كان يعتقد في الله أنه واجب الوجود حي بحياة قادر بقدرة يريد بإرادة عالم بعلم سميع بسمع بصير يبصر متكلم  بكلام وأن صفاته واجبة الوجود، أزلية أبدية تامة التعلق، فيتعلق علمه بجميع الجزئيات والكليات الواجبة والممكنة، وإرادته متعلقة بجميع الممكنات، وعلمه متعلق بجميع المعلومات، وبصره متعلق بجميع الموجودات، وسمعه سبحانه متعلق بجميع الأصوات والكلام النفساني، حيث كان من خلقه والقائم بذاته، وأن قدرة الله عامة التعلق بجميع الممكنات الموجودة في العالم من الحيوان وغيرهم،(ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)الشورى 11.  له أن يفعل الأصلح، وله ألا يفعل ذلك( لا يسأل عما يفعل وهم يسألون21.)  الأنبياء 23 .

وكان مالك يعتقد أن التقليد في العقيدة لا يجزئ22.وكان يثبت رؤية الله في الآخرة23.وكان يرى أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، وبعضه أفضل من بعض 24.

أما عقيدة مالك في الرسول صلى الله عليه وسلم، فهي تتثمل في معرفة أحواله وصفاته وفي تبليغه وفي وجوب طاعته، وقد ضرب مالك أروع الأمثلة في توقير رسول الله صلى الله عليه وسلم والتأدب معه، وقد كان يعبر عن ذلك بشديد التوقير لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان لا يؤديه إلا على طهارة ومع تجمل خاص، ذكر الحافظ المزي أن مالكا كان إذا أراد أن يخرج للحديث توضأ وضوءه للصلاة، ولبس أحسن ثيابه، ولبس قلنسوة ومشط لحيته، فقيل له في ذلك، فقال: أوقر به حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم25.

 

ومن معالم اعتقاد مالك في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه كان يرى أنهم خير القرون، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، وأن أفضلهم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، وقيل عثمان وعلي، ولا يفضل بينهما،وروى عن مالك القولان، وأن المهاجرين أفضل عصره عليه السلام وأن أفضلهم العشرة، وأفضل العشرة الأئمة الأربعة،  ثم أهل بدر من المهاجرين، والمهاجرون على قدر السبق والهجرة،  وأن من رآه ساعة أو مرة أفضل من أفضل التابعين26. وقد كان مالك يفتي بأن من سب النبي صلى الله عليه وسلم قتل، ومن شتم أصحابه أدب، وكان يرى أن من سب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا حظ له في فيء المسلمين27. الله حصر الفيء في ثلاثة أصناف من المومنين في قوله تعالى: ( للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم)الحشر8

وفي قوله تعالى: ( والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ) الحشر9  وقوله: والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا..) الحشر10.  وشاتم الصحابة ليس من هؤلاء، فلذلك لا يستحق شيئا من فيء المسلمين.

ولقد أورد عياض في الشفاء مجمل أقوال المالكية في من سب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم29.

وليس بالإمكان تتبع كل ما نقل عن مالك في قضايا العقيدة، لأن ذلك يستدعي أن تفرد له كتابة خاصة، وإنما أريد أن أشير إلى أن الأخذ بالمذهب المالكي كان فيما يعني الأخذ بكل تلك الحقائق العقدية، وهو ما كان يشكل قاعدة عقدية تمنع فشو الانحرافات والضلالات العقدية التي تؤدي إلى تمزق المجتمع وتضارب فئاته.

لقد أسهم المذهب المالكي بعقيدية السنية إسهاما قويا ومستمرا في توحيد المغرب فكريا، وهي خدمة لم تستطع بعض المذاهب السنية الأخرى أن تنهض بها لتوفرها على تصورات  تسهل تسرب البدع الفكرية، ومن أمثلة ذلك ما ذكره القاضي عياض عن ذيوع المذهب الحنفي في دولة العبيديين بتونس، وذلك لموافقتهم لهم في مسألة التفضيل 30. ويقصد عياض بالتفضيل ما كان يذهب إليه أبو حنيفة من أن فاطمة بنت الرسول صلى الله عليه وسلم أفضل النساء، وقد أول حديث أفضلية خديجة بأن ذلك بسبب أنها أمها،  لا بسبب السيادة العامة، وقد ذهب الحنفية إلى أن عائشة أفضل أفراد النساء31. إن هذا الرأي كان ولا شك صلة وصل وعامل التقاء بين الفاطميين والحنفية، فمن ثم شكل كل فريق حماية للآخر.

ولقد أفادت المتابعات أنه قد كان من الحنفية مثلا معتزلة يقولون بخلق القرآن، وينفون الرؤية ويقتصرون على القول بفسق منتقص عائشة بينما كان مالك يقول بتكفيره لمخالفته صريح القرآن في تزكيتها32.

لقد أصبح علماء المذهب المالكي أمناء على استمرار العقيدة السنية في الغرب الإسلامي، وذلك بما كانوا يبدونه من نفور من الابتداع، وما كانوا يعاملون به مظهري البدع ودعاتها من كراهية وإقصاء، وقد أدوا في سبيل ذلك الثمن من سلامتهم ومن حياتهم في كل الفترات التي كان يتغلب فيها المد الشيعي أو الخارجي.

تذكر مصادر التاريخ أن داعية العبديين  أبا عبد الله الصنعاني، قد ألغى بتونس صلاة التراويح لأنها من فعل عمر وعوض بإطالة صلاة العشاء، وأظهر العبيديون سب الصحابة على المنابر إلا علي بن أبي طالب، والمقداد بن الأسود، وعمار بن ياسر، وسلمان الفارسي، وأبا ذر، وأضافوا إلى ألفاظ الأذان عبارة حي على خير العمل، وأسقطوا عبارة  الصلاة خير من النوم من أذان الصبح، وأمروا بالصلاة على علي بن أبي طالب، والحسن والحسين في الخطب، وحملوا الناس على الأخذ بمذهب جعفر بن محمد33. روى عبد الله ابن محمد المالكي في رياض النفوس، أن جبلة بن حمود، جاءه موفد الأمير وقال له: يقول لك الأمير كرر الإقامة وسلم اثنتين  ولا تقنت في الصبح فانتهره جبلة، وقال له: الأمير لا يعلمنا أمر ديننا34.

لقد كان الفقهاء المالكية عند مستوى الذود عن العقيدة الإسلامية، لكنهم أدوا الثمن أذى تحملوه، وقد بلغ بعضهم درجة الموت، فقد امتحن ابن أبي زيد القيرواني، والقابسي، وأبو عمران الفاسي 35. وقد قتل أبو عبد الله الشيعي إسحاق ابن البرذون 36. وأبا بكر بن هذيل 37.

لقد روى عياض تفاصيل الحكم عليهما بالموت، وذكر أن الشيعة بالقيروان، كانوا يميلون إلى مذهب أهل العراق أي الحنفية لموافقتهم إياهم في مسألة التفضيل ورخصة مذهبهم، ورفعوا الأمر  إلى أبي عبد الله الشيعي، وقد استدل أبو إسحاق البرذون على صحة إمامة أبي بكر الصديق بأن عليا كان يقيم الحدود بين يديه، فلولا أنه كان إمام هدى مستحقا للتقديم لما حلت له معونته، وقد أمر أبو عبد الله الشيعي بحبس ابن البرذون وابن هذيل ثم قتلهما، ولما قدم ابن البرذون للموت طلب منه أن يرجع فقال أعن الإسلام تستتيبني، ثم قتل الرجلان وربطا بالحبال وجرتهما البغال في الشوارع ثم صلبا ثلاثة أيام38.

وقد كان أحمد بن عبد الله بن أبي الأحوص يلاقي ذات المصير، لولا أن إبراهيم بن أحمد الشيعي تخوف من أثر ذلك39.

وسيرا على هذا النهج في الدفاع عن السنة وفي مقاومة البدع تمحض الفقه المالكي لأن يكون فقه سنة، وفقه مقاومة للبدع، عاصما من التشرذم والتسيب، بين اتجاهات عديدة، بهذا السبب فقط اتخذ المذهب المالكي مذهبا رسميا للدولة في الغرب الإسلامي.

قد كان هشام بن عبد الرحمن أول من دعا إلى ذلك الناس بالأندلس، حسبما يذكره عياض في المدارك، والونشريسي في المعيار، عن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية .

وقد كان هشام رجلا طلب العلم وبحث عن الرجال ونقر عن أحوالهم تنقيرا لم يبلغ شأوه كثير من أهل العلم، وكتب في ذلك إلى الفقيه أبي إبراهيم قائلا: قد نظرنا طويلا في أخبار الفقهاء وقرأنا ما صنف من أخبارهم إلى يومنا هذا فلم نر مذهبا من المذاهب غيره أسلم منه، فإن فيها الجهمية والرافضة والخوارج والمرجئة والشيعة إلا مذهب مالك رحمه الله تعالى فإنا ما سمعنا أحدا ممن تقلد مذهبه قال بشيء من هذه البدع فالاستمساك به نجاة إن شاء الله40.

لقد أورد القاضي عياض هذا القول من قبل الونشريسي إعجابا به وتسليما بفحواه ودعمه بما حكاه من أن القرويين مزقوا أسمعتهم من ابن أبي حسان وطرحوها على بابه لكلمة بدرت منه لأمير إفريقيا حضه بها على العصاة، ولا يبعد صوابها في بعض الأحوال، وكان الأولى بمثله غيرها لأمانته وفضله وتقدمه41. وقد كان عبد الله بن أبي حسان المذكور قد أشار على زيادة الله بمعاقبة الجند الثائرين، وكانوا قد هدموا بيوت ابن أبي حسان، لكن الناس لم يقبلوا منه تلك الإشارة، وتركوا الأخذ عنه، بل إنهم مزقوا كل ما سبق لهم أن أخذوه عنه42.

إن دعوة هشام بن عبد الرحمن إلى الأخذ بالمذهب المالكي التي رأى فيها البعض أنها إلزام للناس بما لا يلزم، ليست إلا عملا يراد به صيانة العقيدة قبل الفقه أولا، ثم توحيد القضاء والفتوى وتدبير الأمور، خصوصا حينما يعلم أن الحياة المدنية كلها كانت تقاد وتضبط بالفقه، فلم يكن صوابا أن يختلف القضاة في الأحكام فيحكم هذا بصحة الحبس مثلا، وبحكم الآخر ببطلانه، ويحكم هذا بجواز التفاضل في غير الأموال الربوية الستة، ويمنع ذلك آخرون في الأقوات أو الأطعمة، أو في كل المكيلات والموزونات إذا بيعت بأجناسها ولو أن الأمر ترك لاختيار المفتين والقضاة لأدى ذلك إلى اضطراب شديد، لا تستقيم الأوضاع الاجتماعية معه.

إن حمل الناس على مذهب مالك لم يكن إلا نوعا من تقنين الأحكام الفقهية لنقلها من مستوى الفتوى غير الملزمة إلى مستوى الحكم الملزم.

ولقد استشير كثير من الفقهاء المحدثين في حكم تقنين الفقه فأفتى بجواز ذلك علماء كثيرون منهم: الشيخ علي الخفيف  وحسنين مخلوف من علماء مصر والشيخ عبد الوهاب الحافظ من سوريا والشيخ أبو الأعلى المودودي من باكستان، والشيخ عبد العزيز آل الشيخ من السعودية، وغير هؤلاء43.

 

2. واقعية الفقه المالكي

إن المقصود من دراسة الفقه، هو أن يكون سبيلا إلى إبراز معالم السلوك اليومي الصحيح، وفق مراد الشريعة، حتى لا يتورط المسلم في شيء مما حرمه الله عليه، وحتى يؤدي عباداته التي هي مظهر الاستسلام والخضوع لله على الصفة التي جعلها الشرع مجزئة ورافعة للتكليف، ومن خلال هذه المقاصد والأهداف، يتبين أن للفقه مقاصد عملية، وأنه من التحريف لمسيرته، ومن الخروج عن منهجه أن يصير ضربا من الرياضة العقلية الاحتمالية، أو يصير تفريعا لآراء تجريدية، لا صلة لها بالواقع.

وإذا كان المطلوب في الفقه أن يكون واقعيا ليكون عمليا، فإن مالكا رحمه الله يعتبر الموصل الأبرز لهذا الاتجاه، وذلك بكثرة ما أثر عنه من الروايات في هذا الشأن.

وقد كان مالك لا يجيب في مسألة حتى يسأل، فإن قيل نزلت، أجاب عنها، وإلا أمسك، ويقول: إن المسألة إذا وقعت أعين عليها المتكلم، وإلا خذل المتكلف44.

لقد تدارس العلماء قضية افتراض المسائل والإجابة عنها، وكان مستند المانعين من ذلك، الحديث الذي جاء فيه، أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الغلوطات45.وقال الأوزاعي الأغلوطات شدائد المسائل، أورد ابن عبد البر، أن ابن عمر قال: لا تسألوا عما لم يكن، فإني سمعت عمر يلعن من يسأل عما لم يكن46.

وبما أن مالكا كان متأثرا بفقه ابن عمر، وعمر بن الخطاب، فإنه من الطبيعي أن يذهب مذهبهما في منع الافتراض الذي ليس تحته عمل.

لقد تحول هذا الاتجاه الذي رسخه مالك إلى منهج في البحث، وفي استهلاك الزمن، وهو منهج جنب من الدخول في المماحكات والمناقشات التي أضاعت على شعوب أخرى أوقاتا كان حريا بها أن تستغلها في ما ينفع، لكنها لما لم تفعل، فقد ضاعت تلك الشعوب واندثرت حضارتها وصارت تعرف بفساد منهجها فقيل عن كثير من المماحكات العقيمة إنها مناقشات بيزنطية.

لقد حافظ الفقهاء المالكية على صفاء المنهج الذي ثبته مالك وأخذوه في جملة ما أخذوا من مذهب مالك، وتجنبوا الانزلاق إلى الافتراض، وقد روى عياض في المدارك، أن زياد بن عبد الرحمن مدخل المذهب إلى الأندلس، قد وجه إليه أحد ملوك الأندلس سؤالا عن كفتي ميزان الأعمال يوم القيامة، أهما من ذهب أم من فضة، فأجابه زياد، حدثنا مالك عن ابن شهاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه وسترد فتعلم47.

 

3. رحابة الفقه المالكي وقدرته على الإجابة عن النوازل والمستجدات.

 

إذا كان المراد من الفقه المالكي أن يواكب الحياة فيضبطها ويجيب عن مستجداتها ونوازلها من منطلق التصور الإسلامي، فإن المذهب المالكي يمثل بناء متكاملا قادرا على الإحاطة بكل القضايا، وذلك بوفرة ما فيه من الأصول الاستنباطية التي من شأنها أن تحقق اجتهادا شاملا يواجه المعضلات، ويدرء المفاسد ويحقق المصالح بحسب ما تفرزه المستجدات.

إن الأصول التي قام عليها المذهب المالكي،كفيلة بتحقيق مطالب لا بد منها لمجتمع ينظم حياته وفق هدي الإسلام، ويسعى لما تسعى إليه كل المجتمعات من جلب نفع ودفع ضرر، فهذه الأصول تضمن الأخذ بالكتاب والسنة، من خلال فهمهما فهما عميقا، يتجاوز الظاهرية التي تهدر علل الأحكام، كما أن تلك الأصول تحقق جلب رعاية المصالح التي عليها مبنى التشريع الإسلامي كله، وهي أيضا تصون المجتمع وتعصمه من الانزلاق إلى التسيب العملي، فتمنع كل ذريعة مؤدية إلى ذلك، وهي تسعى إلى محاصرة الخلاف والتفرق حسبما يقرره من إمكان رعاية الخلاف المؤسس على نظر صحيح إلى غير ذلك مما تحققه الأصول المالكية الوافرة من غايات.

إن تفرد المذهب المالكي بكثرة الأصول الاستنباطية قد اعتبر من قبل بعض الدارسين ميزة للمذهب وحسنة من حسناته ولذلك استغرب بعضهم أن يحاول بعض المالكية الاعتذار عن هذه الكثرة التي كان الأجدر بهم أن يدافعوا عنها، يقول محمد أبو زهرة في معرض بيانه لمزية المذهب على غيره،  أما كثرة أصوله فإنه أكثر المذاهب أصولا، حتى إن علماء الأصول من المذهب المالكي يحاولون الدفاع عن هذه الكثرة، ويدعون على المذاهب الأخرى أنها تأخذ بمثل ما يأخذ به من الأصول عديدا، بل إننا نقول إن الأمر لا يحتاج إلى دفاع، لأن تلك الكثرة حسنة من حسنات المذهب المالكي، يجب أن يفاخر بها المالكيون لا أن يحملوا أنفسهم مؤونة الدفاع، ولذلك نحن نرى أنه أكثر المذاهب أصولا48.

والخلاصة أن هذا التعدد في الأصول التي استند إليها المذهب المالكي في استمداد الأحكام قد أكسبه قدرة فائقة على التعامل مع الوقائع، وهيأه لأن يجد الحلول للمشاكل اليومية أكثر من غيره.

 

1. الاستقصاء للناصري 1/138، النبوغ المغربي عبد الله كنون 1/ 46-48. ترتيب المدارك للقاضي عياض 1/25. تطور المذهب المالكي في الغرب الإسلامي محمد شرحبيلي ص: 18.

2. النبوغ المغربي عبد الله كنون 1/ 46- 48.

3. ترتيب المدارك 3/ 85. رياض النفوس 1/252.

4. ترتيب المدارك 3/ 87  رياض النفوس 1/ 200.

5. ترتيب المدارك 3/69 رياض النفوس 1/215.

6. ترتيب المدارك 3/116. الديباج المذهب لابن فرحون 1/370 بغية الملتمس للضبي ترجمة 725/253.

7. ترتيب المدارك 3/114. الديباج المذهب 2/136 . بغية الملتمس الترجمة 1272/384.

8. ترتيب المدراك 3/ 123.

9. ترتيب المدارك 5/ 148 الديباج المذهب 1/ 154.

10. ترتيب المدراك 5/149.

11. ترتيب المدراك 5/149

12. ترتيب المدارك 6/82 وشجرة النور 103.

13. الاستقصاء 1/ 167 وتطور المذهب المالكي في الغرب الإسلامي محمد شرحبيلي ص: 57.

14. أصول الفقه لابن مفلح المقدسي 1/11. شرح الورقات لإمام الحرمين 26.

15. التبصير في الدين لأبي المظفر الإسفرايني ص: 185. وكشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزودوي 1/36 .

16. منح الروض الأزهر في شرح الفقه الأكبر لعلي القاري .

17. الذخيرة شهاب الدين القرافي 13/231 .

18. سير أعلام النبلاء للذهبي 8/68 .

19. الانتقاء لابن عبد البر ص: 91

20. ترتيب المدارك 3/111.

21. الذخيرة للقرافي 13/231.

22. الذخيرة للقرافي 13/ 231.

23. سير أعلام النبلاء للذهبي 8/ 102 حلية الأولياء لأبي نعيم 6/ 326 ومناقب الأئمة الأربعة لابن عبد الهادي ص: 96.

24. ترتيب المدارك 1/183 حلية الأولياء 6/327 وسير أعلام النبلاء 8/ 77  الانتقاء 77.

25. تهذيب الكمال للحافظ المزي 27/110.

26. الذخيرة للقرافي 13/233.

27. حلية الأولياء 1/324.

28. الانتقاء لابن عبد البر ص:73.

29. الشفاء بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض. 2/652 .

30. منح الروض الأزهر في شرح الفقه الأكبر لعلي الفارسي 347..

31. منح الروض الأزهر في شرح الفقه الأكبر لعلي الفارسي 347..

32. الشفاء للقاضي عياض 2/654.

33. البيان المغرب 1/ 151.

34. رياض النفوس للمالكي 2/ 45  وترتيب المدراك 4/376.

35. الاستقصاء للناصري 1/138.

36. ترتيب المدارك 5/118.

37. ترتيب المدارك 5/118.

38. ترتيب المدارك 5/118.

39. البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب لابن عذارى 1/130 وترتيب المدارك 1.

40. المعيار المعرب للونشريسي 6/357.

41. ترتيب المدارك 1/22.

42. ترتيب المدارك 3/ 314.

43. الإسلام وتقنين الأحكام .د. عبد الرحمن عبد العزيز القاسم.  مطبعة السعادة مصر 1973.

44. جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر 2/132.

45. مسند الإمام أحمد بن حنبل مسند رجل من غفار 5/ 435.

46. جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر 2/ 139.

47. ترتيب المدارك 3/120.

48. مالك .  محمد أبي زهرة ص: 376. دار الفكر الإسلامي.

أ. مصطفى بن حمزة
أرسل لصديق   نسخة للطباعة
1448

عدد الزوار

   
عودة

أعلى الصفحة

القائمة الرئيسية
  القرآن الكريم
  السيرة الذاتية
  في ظلال القرآن
  العقيدة الاسلامية
  الفقه الإسلامي
  قضايا فكرية
  ركن المرأة
  المكتبة المقروءة
  ندوات ومحاضرات
 
خدمات الزوار
  خريطة الموقع
  سجل الزوار
  القائمة البريدية
  اتصل بنا
 

أوقات الصلاة

 
 
 
© 2008 - 2010

جميع الحقوق متاحة لكل مسلم