الصفحة الرئيسية  المكتبة المقروءة

  المكتبة المقروءة 


أرسل لصديق   نسخة للطباعة

مقدمة حوار الحضارات

إن من مميزات القرآن الكريم ومن عطاءاته الحضارية دفعه القوي بالعقل المسلم إلى صياغة وبلورة وعي تاريخي يتخطى مستوى النظرة السطحية للوقائع ويتجاوز درجة المتابعة الساذجة لما يجري من التصاريف والأحداث اليومية سواء كانت تلك التصاريف والتقاليب محبذة مرغوبة أو كانت مستثقلة مرذولة وسواء كان الإنسان المسلم طرفا فاعلا فيها أو كان مجرد موضوع لها مستهدف بها.

لقد لفت القرآن الكريم النظر إلى أهمية صياغة الوعي بالواقع لما أعلى درجة التيقظ ووسع مجال الانتباه وفتح العيون واسعة على آفاق إنسانية رحيبة لتكون مساحة لإجالة الفكر ولاستخلاص العبر والعظات ولاستنباط القوانين والسنن الكلية الضابطة لحركة التاريخ.

ولأول مرة يتجاوز كتاب ديني هو القرآن بالإنسان حدود الانتماء الضيق والانحصار الصارم داخل مجال القبيلة والعشيرة التي صار الانتماء إليها يمثل إسارا حقيقيا يمنع الفرد من استلهام قيم من غير قبيلته  ومن استمداد معايير من غير معايير عشيرته وهو مع قبيلته في ارتباط وثيق لا يكاد يعدو مضارب خيامها ومساقط القطر لسوائمها ومواقع أسواقها الموسمية ومدائن الاتجار والامتيار والتسويق لبضائعها، وهو يؤرخ بسنوات خصبها أو مجاعتها أو بإحداثها الجسام أو بموت كبرائها وزعمائها.

لقد تجاوز القرآن بالإنسان تلك الدائرة الضيقة التي كانت تشكل مرجعا معرفيا وقيميا أخلاقيا حينما دعا إلى التعارف بين الشعوب، فجعل الاختلاف مجرد سمات وعلامات وعناوين للتكتلات فقال: { يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا } [ الحجرات: 13 ] ولما دعا إلى استنباط السنن التي حكمت تاريخ البشرية في كل الأماكن والتجمعات التي وجد فيها الإنسان فقال الله تعالى: { قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين } [ آل عمران: 137 ] وهذا نداء إلهي يشكل قاعدة التأصيل الشرعي للوعي التاريخي المتوسل بإعمال الفكر في دراسة الأحداث ، كما أنه إعلان عن شرعية توسيع مجال الدرس ليصير المكان كله والزمان كله فضاء للبحث ولتكون التواريخ الجزئية عينات دراسية لتكون النتائج بعد ذلك شمولية تنسحب على كل زمان وعلى كل مكان ما دامت تلك النتائج مستشفة من استقراء شبه تام وهو ما يجعلها شمولية وعلمية.

واستجابة لهذا التحفيز لم يكن مستغربا أن تكون كثير من مصادرنا التاريخية وغير التاريخية تحمل عناوين العبر أوالاعتبار وقد يكون كتاب العبر في خبر من غبر للذهبي في المشرق العربي وكتاب العبر ومقدمته لابن خلدون في الغرب الإسلامي شاهدا على حضور هذا الوعي في الذهنية الإسلامية التي عنيت تبعا للتوجيه القرآني بالبحث عن الأسباب والعوامل التي توجه حركة التاريخ.

إن فريضة الوقوف أمام الأحداث وسبر أغوارها وتحديد موجباتها وبواعثها وتوقع مآلاتها كل ذلك تتأكد ضرورته حاليا وأكثر من أي وقت مضى بعد أن أصبحت أوضاع دول إسلامية كثيرة عورات مكشوفة وحمى مستباحا لغيرها وبعد أن أصبح الفعل التاريخي شموليا تمارسه قوى عالمية قد رصدت له إمكانات هائلة من أدواتها مراكز للبحوث والدراسات الاستراتيجية المتخصصة وجيش لجب  وافر العدد وكامل العدة من الباحثين والراصدين لأنشطة العالم الإسلامي من أطر الغرب العلمية ومن المنبهرين  بالمشروع الغربي من غير الغربيين من الناقمين على الثقافة الإسلامية ومن المتربصين بها ومن المتخوفين من وعود الإسلام المستقبلية التي لا بد أن تكون مربكة لتقديرات المراهنين على تغيب الوعي الإسلامي من أجل ممارسة الابتزاز الاقتصادي والاستلاب الحضاري.

وإذا كان كل ما يجري ويقع في واقعنا الراهن الذي تتوالى وتزدحم فيه الأحداث الكبار الخطيرة الآثار الثقيلة التكاليف والتبعات، جديرا بأن يكون موضوع درس عميق وبحث رصين عن البواعث الحاملة عليه وعن الأهداف المتغياة منه بناء على استبعاد العفوية أو الاعتباطية في الفعل الذي تمارسه القوى العظمى الفاعلة في الحدث التاريخي بعدما تأكد أنها لا تتصرف إلا لتنجز مرحلة من مشروع شامل مرصود الخطوات والمراحل محدد الأهداف والغايات، مصمم من جهات متخصصة في مجالات التخطيط الاستراتيجي والتوقع المستقبلي ومن مؤسسات الاقتصاد ذات الأذرع والأجنحة الممتدة في جهات عديدة من العالم.

ويأتي في طليعة تلك الأحداث القوية الوقع العميقة الأثر تفجيرا ت 11 شتنبر 2001 في نيويورك وواشنطن، وهي أحداث لم يستشر فيها العالم الإسلامي ولم يباركها بعد وقوعها وإنما تلقاها العالم الإسلامي من خلال وسائل الإعلام باندهاش كبير وتأسف على وقوعها.

إن أحداث 11 شتنبر قد انعكست على العالم الإسلامي انعكاسات سلبية على مستويات عديدة ليس أقلها ما أفرزته هذه الأحداث من نزوع إلى خلخلة منظومة القيم السائدة، ومن طفو مفاجئ لكثير من المفاهيم التي تمخضت عنها اللحظة المذهلة والصدمة غير المتوقعة، والغريب من هذه المفاهيم والقيم الجديدة أنها بررت في زمن قصير لا يسمح مثله بإنتاج وصياغة واختمار تلك القيم، وكأنها كانت منظومة جاهزة قابعة في الأجهزة التي أنتجتها وعلبتها وجعلتها جاهزة للتصدير ثم ظلت حيث كانت تتحين عملا صاخبا مزعجا يعطيها مشروعية الظهور وبراءة التداول.

ولقد تلقفت وسائل الإعلام تلك القيم مبتهجة بها على عادتها في المسارعة إلى السبق الصحفي وتداولت المجتمعات الإسلامية تلك القيم على عادتها في استهلاك الوافد من الأفكار وإجرائه من غير تمثل أو انتقاد في كل قنوات وشرايين كياننا الفكري والثقافي ليحدث له ذلك تجلطا مستمرا جراء التقاء الوافد الملوث بالقديم المحنط ليفرز ذلك كله تسمما داخليا تشكو منه مفاصلنا وأوصالنا الاجتماعية ألما مبرحا وشللا مستديما وحسرة عظيمة في النفس على أن نكون في هذا الوضع السيئ ولا نستطيع حراكا مشرفا.

إن الغرب يفرز يوميا وبوتيرة متسارعة جملة من القيم التي تسوقها وتغري بها وسائل الإعلام في جو تؤطره لعلعة السلاح ومنظر الدماء وروائح الاحتراق وأدخنة المتفجرات ، وهذا جو يجعل الرهبة ثم التقبل بديلا عن الاختيار الحر.

      إن دراسة القيم الجديدة مفيدة لواقع المسلمين بقدر ما تصل تلك الدراسة إلى إبراز وتجلية المنطلقات والتصورات التي يراد لها أن تحكم العلاقات المستقبلية بين الشرق والغرب وإلا فستظل  مواقف الغرب من الشرق منبهمة بل ومحيرة ما لم نصل إلى تمثل المرتكزات والأسس الفكرية التي تصدر عنها تلك المواقف.

كما أن العلم بتلك المنطلقات والتصورات يمنح المسلمين فرصة بناء وصياغة قيم إنسانية جديدة موصولة بمصادر التشريع الإسلامية القاضية بتكريم الإنسان واحترام خصوصياته ورفع ضغط الإكراه عنه وحمله على ما لا ينسجم مع اقتناعه حتى ولو تعلق الأمر بتحويله إلى الإسلام الذي هو خير كله إذ لا إكراه في الدين.

إن المؤمل استخلاصه من صراع القيم المحموم الذي كان إغراء واستدراجا ثم أصبح جبرية وقسرية  وإلزاما أن يصل الإنسان المسلم إلى استشعار ما يمكن أن تمثله هزيمته القيمية من مخاطر على وجوده واستمراره الحضاري، وهذا يفرض وعيا عميقا باللحظة وعملا جادا من أجل البقاء الحضاري ، وهذا ما يستدعي تجاوز الأمراض الحضارية التي أبقت على المسلم في وضع المنفعل والقابل والمتلقي لكل النشاطات الفكرية، ومن تلك الأمراض المؤدية إلى الوضع الحالي قناعة الإنسان ورضاه بالأدون واستسلامه للسلبية وانسحابه من تفعيل قوى المجتمع وترقيتها.

وقد يكون في طليعة الأمراض انشغال الإنسان المسلم بإدارة معارك موهومة من أجل قضايا جزئية لا يخل غيابها ببناء المجتمع ولا يزيده توفرها قوة أو قدرة على العطاء.

إن فحص القيم الغربية التي تظافرت في صياغتها مراجع متخصصة وصرفت في الانتهاء  إليها جهود كبيرة يقتضي أن توجد لدينا حتما مؤسسات نظير متخصصة في مجالاتها المعرفية ومؤهلة في قدراتها ومتحررة في تصوراتها لتنجز قراءات موضوعية لواقعنا ولما يريده الأغيار بنا لتكون مقرراتها حقائق علمية استشعارية نرسم على ضوئها ومقتضاها سياسات ثقافية  واجتماعية قادرة على الحفاظ على ذاتية الأمة وعلى تمكينها من آليات المشاركة في الأحداث العالمية .

إن الرغبة في بلوغ شيء من هذه الأهداف الحضارية هي التي حفزت الباحث الأستاذ عبد الكريم بوفرة على أن ينهض بجزء من هذا العمل موقنا أن الدراسات لا بد أن تتابع وتتوالى لتحقيق مشروع حضاري له هذه الأهمية.

لقد توفر للباحث د. بوفرة من الإمكانات العلمية ومن الشروط الفكرية والثقافية ما جعله مؤهلا لأن يعالج هذا الموضوع الخطير، فهو من حيث علمه ومعرفته وثيق الصلة بالثقافة الغربية وبأجنحتها وأطيافها المتعددة وهو يتميز عن كثير من  نظرائه من الباحثين بقدرته على قراءة وتمثل ما يكتبه اليهود بالعبرية التي يعمل أستاذا مدرسا لها بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بوجدة، وهذا مجال تقصر عنه قدرات كثير من الباحثين إلا إذا هم قرؤوا عن الفكر العبري اليهودي مترجما إلى اللغات الحية، وشتان ما بين الترجمة والأصل ، كما أن الباحث يقرأ ما يكتب بلغات أوروبية أخرى وهو ما جعله حاضرا ومتابعا متابعة يومية تنكشف من خلال هذا العمل الذي أقدمه للقارئ.

والباحث إلى هذا وذاك قد جال في مسارب الثقافة الإسلامية وأخذ منها بحظ وافر وهو إلى الآن دائم الاتصال والارتباط بمصادر هذه الثقافة الإسلامية الشاسعة الضاربة بطنبها في كل حقول المعرفة الإنسانية.

وأما عن توفر الباحث على الشروط الأدبية المتطلبة في الباحث الأصيل فإنه يكفي من ذلك أن يكون مستقلا بتفكيره غير سابح في أي مجال من مجالات الجاذبية الثقافية التي أصبحت تنثر  الباحثين في مداراتها ليسجوا فيها غير مشدودين في ذلك السبح إلا بانبهار عارم وولاء دائم وبترقب مستمر للحظة الاختيار التي بإمكانها أن تجعل الهزيل وازنا والخامل نابها والتافه رمزا ومثالا شيقا وجذابا تماما كما يطلى البهرج من المعادن بطبقة تجعله صقيلا أنيقا إلى حين.

إن استقلالية الباحث الفكرية تدين في وجودها إلى انغرازه في ثقافة الأمة التي ينتمي إليها وإلى إيمانه القوي بإنسانية وقوة وعدالة قيمها وإلى إيمانه القوي بمشروعية نقد وتمحيص الموروث ليتميز ما كان عطاء من عطاءات الوحي أو كان ثابتا من ثوابت الأمة عما لم يكن كذلك مما كان فكرا دخيلا وفهما عليلا على  أن يقدم ذلك النقد في نطاق الانحصار داخل الإسلام بإعمال آليات النقد المنضبطة بضوابطها بعيدا عن تحكمات الهوى وميل النزوات والاختيارات غير المبنية على أساس من الفكر قويم.

إن المجلس العلمي بوجدة إذ يقدم للقارئ هذا العمل العلمي، وهذه المتابعة الجادة لأنواع من القيم التي ينتجها الغرب، فإنما يسعى إلى الإسهام في بلورة ودعم حضور ثقافي إسلامي حديث يحققه هذا الجيل الجديد من الشباب المثقف الذي يسهم بنكران ذات في إعمال علمية أكاديمية قيمة خلف أسوار الجامعات وهو جيل مؤهل فعلا بكل ما يتطلبه الحضور الثقافي من كفاءة فكرية ومن نزاهة في البحث ومن ثقة بالرصيد الموروث ومن قدرة على التعامل مع ما في الثقافات الأخرى من إيجابيات وسلبيات، وهو أيضا متمتع بحس نقدي حضاري يستطيع به أن يقف على كل عيوب الفكر الرائج وانزلاقاته وهفواته متأثرا في ذلك بعجزه وبجهله بالأشياء كما يقول برغسون ليخلص من تلك الجدلية إلى صياغة منظومات فكرية تنسجم مع عقيدة الأمة ومع رؤيتها للكون وللإنسان خصوصا.

د. مصطفى بنحمزة
أرسل لصديق   نسخة للطباعة
745

عدد الزوار

   
عودة

أعلى الصفحة

القائمة الرئيسية
  القرآن الكريم
  السيرة الذاتية
  في ظلال القرآن
  العقيدة الاسلامية
  الفقه الإسلامي
  قضايا فكرية
  ركن المرأة
  المكتبة المقروءة
  ندوات ومحاضرات
 
خدمات الزوار
  خريطة الموقع
  سجل الزوار
  القائمة البريدية
  اتصل بنا
 

أوقات الصلاة

 
 
 
© 2008 - 2010

جميع الحقوق متاحة لكل مسلم